* إن الحكومة بنت 800 ألف شقة سكنية وهدفها الوصول إلى مليون، أي بناء 200 ألف شقة حتى نهاية العام

ربما يضطر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى حلق شاربيه قبل ذهابه للاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة إذا لم تكتمل وعوده ببناء مليون وحدة سكنية بحلول 31 ديسمبر من السنة الجارية. هذا التعهد جاء بعد فيضانات 2010 وأعلن فيها الرئيس الراحل هوغو تشافيز عن بناء ثلاثة ملايين شقة ووعد بتسليمها في 2013. يشار إلى أن الحكومة بنت 800 ألف شقة سكنية وهدفها الوصول إلى مليون، أي بناء 200 ألف شقة حتى نهاية العام. لكن عندما أعلن تشافيز تعهده كان سعر برميل النفط أكثر من 100 دولار، حيث يشكل الدخل الرئيسي للموازنة العامة، أما اليوم فإنه يتهاوى إلى ما دون الخمسين دولارا للبرميل مشكلا أزمة حقيقية لمنتجي النفط في العالم وليس لفنزويلا وحدها، التي أعلن مسؤولوها أن عملية بناء الوحدات السكنية لن تتأثر بانهيار أسعار النفط باعتبار ذلك يشكل محورا في البرامج الاجتماعية التي تقدمها الدولة. وهذه تصريحات مرسلة، هدفها الاستهلاك المحلي وطمأنة الطوابير الواقفة بانتظار الخبز واللحم والدواء، بعد أن انهارت أسعار النفط في غمضة عين إلى أقل من النصف.
وفنزويلا واحدة من دول أمريكا الجنوبية وتشكل خاصرة رخوة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية بسبب الخصومة بين نظامي كاراكاس وواشنطن منذ تسلم الرئيس الراحل هوغو تشافيز السلطة واتخاذه طريق الاشتراكية في توزيع الثروة نهجا لمواجهة الفقر الذي تعاني منه البلاد رغم الثروات الطبيعية التي تتمتع بها البلاد مثل النفط الذي تشكل عائداته قبل انهيار الأسعار أكثر من 80 بالمائة من عائدات الموازنة العامة، إضافة للغاز الطبيعي وخام الحديد والذهب والبوكسايت ومعادن أخرى والطاقة المائية والألماس. وتمكن النظام من الحد من الأمية، إذ يصل عدد السكان الذين يعرفون القراءة والكتابة إلى نسبة 91 بالمائة من إجمالي عدد السكان البالغ قرابة 29 مليون نسمة، يتوزعون على مساحة جغرافية تصل إلى أكثر من 900 ألف كيلومتر مربع، ونسبة النمو السكاني تبلغ 1.5 بالمائة، بينما تتضارب المعلومات عن نسبة البطالة، حيث تؤكد الإحصاءات الرسمية بأنها تحوم في نهاية العام الماضي 2014 حول 5.5 بالمائة، وهي تعتبر معدلا استراتيجيا بعد أن كانت تزيد على 14 بالمائة. ولأن الوضع الاقتصادي يبدو لا يزال في قبضة القطاع الخاص، فقد وجه الرئيس الفنزويلي اتهامات مباشرة لخصومه السياسيين المدعومين من رجال الأعمال بأنهم وراء التدهور الاقتصادي وأنهم وراء تشكيل الطوابير الواقفة لشراء الخبز واللحم والمواد الأساسية لأنهم وفق الرئيس يقومون بعمليات تهريب السلع المدعومة ويخزنونها بعيدا عن متناول المستهلك.
في ظل هذا الوضع المرتبك اقتصادياً وسياسياً تتحدث بعض المعلومات عن أن ثلث السكان يعانون من الفقر، في ظل نسبة تضخم قياسية تصل إلى أكثر من 68 بالمائة، وتتحدث تقارير عن احتمال وصولها إلى %100 مع نهاية العام الجاري، خصوصا إذا استمرت أسعار النفط على نفس المعدل، وهذا سيشكل بدوره ضغطا على فنزويلا التي تعتمد على النفط بنسبة 96 بالمائة في توفير العملة الصعبة، حيث تنتج البلاد 2.3 مليون برميل يومياً، ونقطة التعادل في موازنتها العامة وجوب وصول سعر البرميل إلى 120 دولاراً.
لاشك أن النموذج الذي أسس له الرئيس الراحل تشافيز يواجه عثرات كبرى. فهذا الرجل قاد البلاد إلى منحى آخر بعد أن عشعش الفساد في النخبة السياسية للدرجة التي أفقرت الفنزويليين، لكنه وضع حجر الأساس لابتعاد دول أمريكا الجنوبية عن الفلك الأمريكي، فحققت الاشتراكية الديمقراطية في عديد من بلدان المنطقة انتصارات أوصلتها صناديق الاقتراع إلى سدة الحكم، وهو الأمر الذي يزعج واشنطن خصوصا والبلدان الغربية عموما. لكن انهيار أسعار النفط فرض على كاراكاس التوجه لدول الجوار من أجل المساعدة لتوفير المواد الأساسية بعد أن شحت من السوق المحلية.
ربما يستطيع الرئيس الفنزويلي مادورو من تحقيق رقم المليون وحدة سكنية مع نهاية العام الجاري، لكنه لن يتمكن من إنقاذ الاقتصاد الداخلي الذي يعتمد على النفط بشكل رئيسي، وبالتالي وفي ضوء التوقعات باستمرار الأسعار على ما هي عليه لسنوات قادمة أقلها سنتين، فإن الوضع الاقتصادي لن يحقق تقدما يذكر، وستبقى المشكلات المعيشية تضغط على النظام السياسي الذي قد يتخذ أقصر الطرق وهو الحل الأمني الذي سيشرع مادورو من خلاله بمعاقبة خصومه السياسيين وتأديب رجالات القطاع الخاص المتحالفين معهم، وهذا منزلق خطير لن يوصل إلى نتائج مرجوة بشهادة كل من جربوه قبله في مختلف دول العالم.
ظل تشافيز يختفي شيئا فشيئا من فنزويلا مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتعثر برامج التنمية الجديدة التي أراد تشافيز وبعده مادورو الاستمرار فيها لكنهما لم يتمكنا من إحداث النقلة الكبرى في الاقتصاد الوطني بتنويع مصادر الدخل وظل الاعتماد على النفط أسهل من الولوج في برامج جديدة تقوم على أسس غير تلك التي تتدفق من باطن الأرض دون جهود حقيقية تذكر.
من هنا قد لا يضطر الرئيس مادورو إلى حلق شاربيه، لكنه سيواجه أوضاعا أكثر صعوبة مع احتدام الصراع مع الولايات المتحدة التي ترغب في محو ظلال تشافيز من الأراضي الفنزويلية وبالتالي إسقاط حزب الرئيس في الانتخابات المقبلة التي تنتظم أواخر العام الجاري.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٠) صفحة (١١) بتاريخ (١٣-١١-٢٠١٥)