د.مقرن فؤاد الخياط

د.مقرن فؤاد الخياط

د.مقرن فؤاد الخياط

نرى الأشياء عندما تسقط صورتها في شبكية العين، ثم تنتقل إلى الدماغ الذي يفسرها بما يحتويه من مخزون الذاكرة، لكن هذه الأشياء التي نراها لم نكن لنراها لو كانت مظلمة، فهي نفسها قد اكتسبت أشعة من مصدر آخر للإضاءة، إضاءة الشمس أو المصباح أو أي نور آخر…
ننام فتقفل الجفون، ولا يدخل إلى العين أي أشعة، وبهذا فنحن لا نرى عندما نكون نائمين إلا الأحلام، والسبب أن العين في ذلك الوقت تكون مظلمة، وبمجرد أن نفتح أعيننا تنطلق أحزمة الضوء الموجودة في الأجسام لترينا الطريق لنتحرك…
إن كل الإشعاعات التي تأتينا ونستوعبها تتخزن في الذاكرة، وتفيدنا في المستقبل في تحديد المواقف والأفكار التي تحدد حركتنا، وترشدنا لما يجب أن نفعل وما لا نفعل، وتحدد لنا أن نتحرك نحو المصدر الذي تعلمنا من الصور السابقة أنه مصدر للسعادة والراحة والسرور…
عندما تختار أن تزور بلداً أو تصادق إنساناً أو تستمر في قراءة كتاب فإنك تفعل لأن عينك قد سرها أن تفعل ذلك بما لمسته من الحواس ورأته من المناظر وقارنته بما يحتويه العقل من عواطف وذكريات ومواقف…
وكانت الشمس والقمر مصدران للنور في الكون، كما قال تعالى «تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا»، وكذلك القرآن والرسول الكريم قد وصفا النور، «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا»، وقال تعالى «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ»..
يسقط نور الشمس والقمر على الأشياء فنستوعب المخاطر لنبتعد عنها ونرى الأماكن الجميلة والناس اللطفاء فنقترب منهم ونعيش معهم، وكذلك الحال مع نور القرآن والرسول، فقد وجدا لكي يكونا نورا لنا في الحياة، كشافا نافذا نبصر به الحق من الباطل، والصاحب من العدو، والخلق الحميد من الخلق الذميم، وما فيه سعادتنا وسعادة أمتنا وأجيالنا مما فيه الحتف والضياع والتخلف، وما علينا إلا أن نزيل الغبش عن عيوننا لكي نبصر الحقيقة، كما يزيل طبيب العيون المياه البيضاء عن العدسة البلورية التي أصابها نوع من الشوائب…
إن الذي نعمله اليوم سنلاقيه غداً، وكما سقطت إضاءات الأشياء على الشبكية لتحدد مواقفنا في المستقبل، فالخير الذي نستقبله ونعمله من حصيلة أنوار الهداية سوف يضيء لنا في طرق عجيبة وأيام لا نعلمها، «يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»..
لقد اختاروا أن لا يسقط في أعينهم سوى الأنوار الجميلة المتألقة، وملأوا حياتهم بالعمل الصالح، لأمتهم وأهلهم وأوطانهم، أنوار الأخلاق الكريمة والكلمات السليمة والقلوب الحية الساكنة بالحب والعطف والرحمة، فما كان منها إلا أن توهجت بالنور في تلك العرصات العظيمة تقودهم إلى الجنات والأنهار والسعادة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٠) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-١١-٢٠١٥)