علي الفهيد

علي الفهيد

أبناؤنا، حين نتزوج، بعضنا يتعب في الحصول عليهم، يراجع أحسن المستشفيات، وأمهر الأطباء، ويبذل جل ماله، وقد يبيع كل ما يملك في سبيل أن يمن الله عليه ولو بولد وحيد يحمل اسمه!
وحين يولدون نسهر الليالي، ونجافي النوم في سبيل أن يهنأوا بنوم عميق، ونوفر لهم أطيب الحليب واللباس، وغيرهما. وحين يمرضون نأخذهم إلى أحسن الأطباء والمستشفيات، حتى ولو كان ذلك في جنح الليالي، تاركين لذيذ وعمق نومنا في زمهرير الشتاء، أو في لفح الصيف مهما كان ثمن العلاج لينعموا بالصحة، ومتمنين أن مرضهم فينا وليس فيهم!
وحين يكبرون بأشهر نفرح بهم، ونلاعبهم، ونهدهدهم، ونصفق ونحبو خلفهم مقلدين حركاتهم، ويكبرون أكثر فنحادثهم ونجري خلفهم، وعلى محياهم قهقهات جميلة. ويكبرون أكثر فنشتري لهم ألعابا، فنشاركهم فيها، متذكرين طفولتنا، ويزعجوننا بأصواتهم وألعابهم، فتزداد سعادتنا لسعادتهم. وحين يدخلون الروضة، ثم المدرسة نشتري لهم الحقيبة والدفاتر ، والأدوات، فتكبر أحلامهم وأحلامنا، ونعلق عليهم آمالا بأنهم رجال المستقبل من أطباء، ومهندسين، ومعلمين، ووزراء وغيرهم، فنتعب من أجلهم بإدخالهم أفضل المدارس، واختيار أمهر المعلمين من خصوصيين وغيرهم وبأي ثمن. وحين يتخرجون في الثانوية نحاول إدخالهم أحسن الجامعات والتخصصات، ولو بعنا كلانا! وبعد تخرجهم وتوظفهم نسعى لتزويجهم، فنساهم معهم في تأسيس أسرهم؛ لنفرح بهم ونرى أولادهم، فنشعر أننا كبرنا، ويستمر قلقنا عليهم حتى رحيلنا أو رحيلهم عنا. هؤلاء أولادنا الذين نتعب من أجلهم، يزعجوننا بأصواتهم، وطلباتهم، وعنادهم، فنقسوا عليهم كلاميا وبدنيا من أجل تربيتهم ، وتعليمهم، وتهذيبهم، وقد ندعو عليهم بألسنتنا وليس بقلوبنا. إننا يجب أن ننظر إليهم أنهم هبة وأمانة من الله -عز و جل- بالاهتمام والرفق بهم، ورحمتهم لأن المؤمنين رحماء بينهم، وهم بالرحمة أولى، وإننا إذا فقدنا أحدهم، فكأننا فقدنا أنفسنا، وأن حياتنا دونهم لا تساوي شيئا. والدليل أن العقيم يفني ماله، ووقته، وجهده ليرزقه الله ولو بولد وحيد. إننا في خضم حياتنا واهتمامنا بهم يجب ألا ننسى أنفسنا، ونحرق أعصابنا، ونفني زهرة شبابنا من أجلهم، بل نوازن بين حياتنا والاهتمام بهم، ونبذل لهم من جهدنا، ووقتنا، ومالنا ما يساعدهم على النمو في حياتهم حاضرا ومستقبلا، فهم حياتنا وحاضرنا ومستقبلنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤١) صفحة (١٠) بتاريخ (١٤-١١-٢٠١٥)