علي آل صويلح

علي آل صويلح

أؤمن كثيراً بأن الأمثال في أحرفها البسيطة تختصر كثيراً من الكلام المملّ، وقد تلامس المعنى بأقل مجهود.. وحيث إنني أكتب مقالي هذا وأنا في صالة المطار أنتظر رحلتي.. أردت أن أشغل وقتي بقراءة أحد الكتب من نوع «لا يُسمن ولا يغني من جوع» لكي ألفت أنظار المسافرين إلى أن هناك أناساً ما زالوا يقرأون في صالات الانتظار وأن الوقت لديهم ما زال من ذهب..
ومع الأسف كانت الصدمة لديّ أكبر من قراءة ذلك الكتاب، وأنّ ما أقوم به يعتبر في تاريخ هذا الجيل موضة قديمة أكل وشرب عليه الزمن، فالكل في فلكه يسبح مشغولاً بتلك الأجهزة المحمولة… وبما أن «الليلة أشبه بالبارحة» فإن الذاكرة رجعت بي للوراء لعدة سنوات تذكرت حينها عندما كنت جالساً في صالة أحد المطارات أنتظر موعد إقلاع رحلتي والوقت حينها يشير للخامسة فجراً.. لفت انتباهي ذلك الأمريكي العجوز صاحب البشرة الحمراء الفاقع لونه مُنكباً على وجهه يقرأ كتاباً لم أشاهد في حياتي من قبل ولا من بعد حجماً كحجم ذلك الكتاب، كانت أجواء الصالة يسودها نوع من الهدوء القاتل، فلا تسمع سوى شخير بعض الركاب الذين حضروا مبكراً للمطار.. أما صاحبنا الأمريكي فقد قام بإغلاق كتابه وفتح شنطته السامسونايت وأخرج منها شنطة أخرى صغيرة الحجم ومن ثم استخرج جهازه المحمول من تلك الشنطة الصغيرة وأجرى اتصاله ثم أغلق جهازه وأعاده من حيث كان.. وبما أن هرمونات «الفضول» هي أحد أنشط الهرمونات داخل جسم كثير من البشر فلقد تحرّك في جسمي ذلك الهرمون اللعين وأرسل للمخ إشارة بأنه يريد معرفة أشياء أكثر عن ذلك العجوز، فلم أجد مفتاحاً لأبدأ حديثي معه سوى أن أظهر له ابتسامة رقيقة ثم أتبعه بسؤال ظاهره يحمل السذاجة وباطنه يحمل خُبث الفضول.. فقلت له هل جهازك المحمول غالي الثمن لكي تضعه داخل حقيبتين..
رد عليّ بابتسامة أكثر لطافة من ابتسامتي وقال: بل هو من أرخص أنواع الأجهزة ولو تركته مرمياً على أحد الأرصفة فلن يكلّف السارق نفسه لالتقاطه.. لكن وقته أغلى بكثير من ذلك الجهاز الذي سَرق عقول البشر وجعل كمية الغباء تتزايد لديهم يوماً بعد يوم حتى بدأوا يعيشون مراحل الاستبلاد المعرفي.. وأخبرني بأنه سيأتي زمن يُهجر فيه الكتاب وتقل فيه المعرفة ويصبح الوقت أرخص من أي شيء آخر.. وقدّم لي نصيحة عصماء لا تباع ولا تشترى مع علمي المسبق بها بقوله إن القراءة عبر أوراق الكتاب لا يعادله شيء آخر وإن تطورت تلك الأجهزة الإلكترونية، تذكرت ما حدث لي سابقاً وحاولت هذه الليلة أن أطبّق ما قاله لي ذلك العجوز على أرض المطار وأن ألفت انتباه البقية إلى أن هناك شيئاً مفقوداً في حياتنا اسمه «كتاب»، ودعوت الله أن يكون هرمون الفضول نشطاً لدى أحد المسافرين بما فيهم أولادي، فقد جعلت من مساحة صدري الضيقة تتسع وأقدم لهم نصيحة أُهديت لي قبل عدة سنوات، ومع الأسف لم أجد سوى رؤوس منحنية ولعلها تكون على مفيد، وبما أن الزمان رفض أن يطيعني فقد قمت بإغلاق كتاب التراث وفتح جهاز الحضارة لأكون إنساناً طبيعياً في نظر مجتمع أعيش فيه وهم يعيشون من حولي.. فالليلة لم تعد شبيهة بالبارحة وأصبح كثير من تلك الأمثال لا تناسب واقعنا الحالي ولم تعد صالحة لهذا الزمن، بل أصبح كثير منها ضرره أكثر من ضرر بعض تلك الأطعمة الفاسدة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٢) صفحة (١٠) بتاريخ (١٥-١١-٢٠١٥)