د. مقرن فؤاد الخياط

د. مقرن فؤاد الخياط

ورد في حديث صحيح أن آخر رجل يدخل الجنة له عشرة أمثال الأرض، أخبر به الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو رجل يكون قد اكتوى من نار جهنم ثم ينجو منها فيدخل الجنة ويخيل إليه أنها ملأى، أين أذهب، وقد نزل الناس منازلهم؟، فيقول له رب العالمين: اذهب فإن لك عشرة أمثال الأرض، فيقول أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه…
يسافر كثير من الناس في الإجازة، طلبا للمناخ العليل والمكان الجميل والخضرة الخلابة، فهناك بلاد كثيرة تختلف عما ألِفُوهُ من التراب والصحارى، والحقيقة أنه التغيير الذي ينشدونه، والذي تعوَّد على الزروع والأنهار في بلاد أخرى ربما يستمتع برؤية الجبال الصلبة والأشجار اليابسة والرمال التي تفترش البوادي…
ننتشر في الشرق والغرب، كل حسب استطاعته وهواياته وفهمه للمتعة والتسلية، وكله حق مشروع طالما كان في حدود الشرع المطهر، فمتجه لأوروبا وآخر لأمريكا، وثالث لأستراليا، ورابع لشرق آسيا، بعضهم يبحث عن العمائر والميادين، وآخرون عن المتاحف والأسواق، ومنهم من ينشد الهواء العليل والشجر الظليل، والغيوم والبحار والجبال والشواطئ…
ولكل واحد أن يقص رحلته واستمتاعه بما وجد، وينقل الصورة كما شاهدها في أيام جميلة قضاها مع إنسان أحبه أو رفقة طيبة أو عائلة سعيدة، وقد زرت عدة بلدان ولم أجد مثل جمال سيدني، تلك المدينة الساحلية الخضراء، ترتيبها ومواصلاتها وحدائقها وبحيراتها، وإن كنت أعلم أن بلداناً أخرى في العالم تفوقها في الجمال لكنها مدينة لا يعرفها كثيرون، لأنها بعيدة حتى بالطائرة، وتحتاج سبعَ عشرة ساعةَ طيران من دبي حتى تصل إليها…
في كل مرة تسافر أو ترى مدينة جديدة، وحتى لو كنت لا تسافر، تذكر المعنى العميق الذي وضحه لنا رسولنا الكريم في الحديث القدسي، وحقيقة الدنيا التي أراد لنا أن نعطيها حقها، لا أكثر من ذلك، لا أتحدث عن استثمارها هنا والسعي في اكتشاف معالمها، ولا أتحدث عن طلب الرزق وإشاعة الغنى عند المسلم، ولا أتحدث عن التقدم والتطور وإعمار المباني وزراعة الحقول، ولا حتى عن البهجة التي تصاحبنا مع شراء سيارة فخمة أو طقم ألماس، ولكن أتحدث عن القيمة التي تحتلها هذه الدنيا من القلوب التي تسكن داخلنا، وكان من الواجب أن تحتلها الآخرة، لعشرة أضعاف على أقل تقدير…
آخر إنسان يدخل الجنة له عشرة أمثال الأرض، فاجلس إن سافرت لبلدة جميلة أو أقمت فيها، اجلس مع نفسك لحظات صافية، فكر في كل ما في العالم من مدن جميلة، وبيوت واسعة، وسيارات وأموال وقصور ومَلاهٍ، وأنهار وبحيرات وجبال ومَراعٍ، وكل أنواع المتع التي تعرفها، والتي لا تعرفها، ثم تفكَّر لو كانت لك، لك وحدك، مثلها عشر مرات، إن كنت آخر من يدخل الجنة، فكيف بك لو كنت من أولهم، هذه هي المعادلة الصعبة التي أتحدث عنها، وإنها لسهلة لو كنت تعلم…

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٤) صفحة (١٠) بتاريخ (١٧-١١-٢٠١٥)