خواطر فايز الشهري

«من المعيب أن تبكي، تحزن، ترثي من فقدته، أنت تحرقه، تعذبه، تسبب له الألم، اربط من جأشك فأنت كبير، مسؤول، و ستقابل الناس»، بعض النصائح و الإرشادات لا يعرف صاحبها متى يخرجها من حلقه فينقصه فقط أن يُصرِّح «ابتهج فقد مات»!، فقد حفظ بعض العبارات جيداً و رددها بينه وبين نفسه حتى علقت في حنجرته، وغص بها، ثم اغتبط عند سماعه خبر وفاة أحدهم ليُسَمِّع الناس ما حفظه!.
هناك فرق بين الدموع و حزن الفراق، وألم انفصال الروح عن روحها الأخرى، التي أحبتها وسكنت إليها، وعاشت معها، وشعرت بمعاني الكلمات فعلياً، فإن كان أباً علمتنا ما هو الأب، وإن كانت أماً فهمتنا ما هي الأم، وهكذا حتى نشعر بالمعاني و دلالاتها، وفَرْق بين الصراخ، والجنون، والسخط على قضاء الله و قدره، والجزع على ما حدث.
سواءً كان الحزن لدى رجل أو امرأة لا يحق لأحد أن يحدد له هل يبكي أم لا، لا يحق لأحد أن يتدخل في مشاعره التي فاضت ألماً لقوة ما حدث، لا يحق لأحد أن يحدد ما هو العيب ما هي الحدود للكبير أو الصغير، بل قل ما يواسي أهل المتوفى و يفيد الميت، واصمت في حضرة الوداع.
ربي خلق لنا ما يهدئ النفس من دموع، و لساناً يتحدث لنستطيع أن نكمل حياتنا، وجعل من عيش الناس سوياً ما يخففها أيضاً باحتواء الألم و مداواة الجرح باللين والحسنى، لا بالأمر و النهي، والعيب!، فكن يا من تعزي _ انساناً أولاً، رحيماً، مقدراً، غزيراً في المواساة و الدعاء، واعياً لما يمكن أن يقال، ومراعياً للوقت واحتياجات ذوي المتوفى، فلا تتخذ من مجالس العزاء فرصةً للأحاديث، ولقاء المعارف!، فبعضهم ينقسم حضورهم إلى جزءين، أولهما عند الدخول وتأدية الواجب، والآخر عند الجلوس وقلب المجلس إلى محادثات لمواضيع عديدة وانتظار الضيافة و الأكل، و لا يراعي فيها حقوق أهل العزاء من حق الراحة التي يحتاجونها، عوضاً عن تسمرهم في المجالس بالساعات!.
فقدت منذ فترة ليست بالطويلة عَماً لم أقل له في حياتي كلها إلا أبي «بابا علي» -رحمه الله وغفر له- فرأيت رقمه اليوم في قائمة هاتفي، فحادثت اسمه بما يطول، وأخبرته أني لست بتلك الشجاعة والقوة، التي أستطيع فيها أن أدخل منزلك دون أن أنتظر إشراقة ذلك الوجه الذي يَعبُر من ممر المنزل متجهاً لي، ويُقرب خده و يقول ابنتي في بيتها، فلروحك التي تسكنني يا والدي أهديك كلماتي، و دعائي الذي يمتد من عطرك و ذكرك.
أَعبتُم الدموع لمثل تلك المشاعر، فما هي حياتكم إن توقفت وبتم جماداً كما ترغبون؟!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٤) صفحة (١٠) بتاريخ (١٧-١١-٢٠١٥)