د.مقرن فؤاد الخياط

د.مقرن فؤاد الخياط

د.مقرن فؤاد الخياط

تمثل العظام الدعامة الأساسية لجسم الإنسان، فهي التي تحمله وتكون أوتارا لعضلاته التي تحركه، كالخيمة لا تقوم على أرض رخوة، فلكي يقوم بناء الجسم ويتماسك لابد من أن يقف على أرض صلبة قوية، وبقدر صلابة العظام المعتدلة فإن الإنسان يعيش بسلام ودون ألم، ويظل هيكله متماسكاً صحيحاً.. وتكمن قوة العظام في وجود الكالسيوم فيها، هذا العنصر الذي يبدأ في الترسب منذ أن يولد الإنسان، ويستمر في الزيادة لتكون قوة العظام في أوجها في العقد الثالث من الحياة، ثم يبدأ الضعف بسبب عوامل عدة، منها نقص الهرمونات، ومنها تغير طبيعة الخلايا العظمية، ومنها تأثير الحياة، لكن الحصيلة أن العظام تبدأ في التراخي، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة…كلنا سوف يضعف، هذه سنة الله في الحياة، لكن الفرق يكمن في مرحلة ما قبل الضعف، فلو فرضنا أن شخصين سوف ينقص من حسابهما في البنك بعد سنة ما مقداره خمسون ريالاً في اليوم، فالذي سيعيش براحة هو الذي جمع في عامه رصيدا أكبر، الذي كسب ألف ريال سيخسرها في عشرين يوماً، بينما الذي وفَّر عشرة آلاف سوف يعيش فترة أطول وراحة أكبر…
وبنفس الفكرة تماماً، فرصيدك من الكالسيوم المترسب في عظمك حين تبلغ الثلاثين أو الأربعين هو الذي يحدد قوتك في المرحلة التي تليها ومرحلة الشيخوخة، فالكالسيوم سوف ينقص سوف ينقص، لكن الفرق بين من سيعاني أو لا يعاني هو ما رسبه من الكالسيوم في عظمه وهو في مرحلة الشباب، وتقوية العظام تبدأ بالغذاء الصحي، والتعرض للشمس، وممارسة الرياضة، للرجال والنساء، هذه الثلاثة «الرياضة والغذاء والشمس» قد تبدو كلمات قصيرة لكنها تمثل مشكلة كبيرة في مجتمعنا، مشكلة كبيرة لأن نسبة وهن العظام بلغت %80 عند النساء %50 عند الرجال، هل تعلم لماذا؟ ببساطة لأننا لا نمارس الرياضة، ولا نتعرض للشمس، ولا نهتم بالغذاء السليم.
لقد جاء أمية بن خلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بالٍ فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذه بعدما قد رم؟ قال: نعم، ويبعثك ويدخلك النار، وأنزل الله قوله: «وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم» ومن قول الرسول «نعم» وقول الله إنه قادر على إحيائها نتعلم أن لمشكلة وهن العظام التي نعاني منها بنسبة مخيفة في بلادنا حلاً، وحلها يبدأ في تغيير عاداتنا، وتطوير أبحاثنا، وفهمنا للدين الحنيف، الذي لم يعزل دنيانا عن آخرتنا، وحثنا على الحركة، رجالا ونساءً، فما كان يجب أن ترتفع نسبة الضعف عندنا لهذا الحد، لأسباب تافهة واهية واهنة…
فقبل أن تكون العظام رميماً، قوِّها بما تستطيع، لتعيش حياة هانئة، وتعبد الله على قوة، وتكون لبنة راسخة في بناء بلدك ما استطعت، وإن كانت قد وهنت فهكذا هي الحياة، وتُقَوِّيها بالعمل الصالح، الذي يرفع درجتك عند من سواها وقادر على إحيائها، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون…

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-١١-٢٠١٥)