لم أرد تصديق خبر رحيل صديق قديم لا التقي معه إلا بالصدفة أو في المناسبات، في بلاد لا تزيد مساحتها عن 770 كيلو مترا مربعا موزعة على أرخبيل جزر جميلة أغلبها غير مأهولة. لكن الخبر كان أكيداً، فقد رحل الكاتب والصحافي خالد البسام يوم 10 نوفمبر 2015 عن عمر ناهز التاسعة والخمسين. رحل مبكراً، ربما لأنه لم يرغب رؤية الأمة التي حلم بوحدتها من المحيط إلى الخليج وهي تنزلق لحضيض أكثر مما هي عليه اليوم.
لم أتعرف على خالد البسام في البحرين، بل في القاهرة مطلع العام 1982، حيث اجتمعنا وعشنا معا أياماً في شقة طلبة بحرينيين يدرسون في الجامعات المصرية. وقتها كان الصوت العالي لايزال للاتحاد الوطني لطلبة البحرين الذي جمع الطلبة من مختلف مناطقهم في الشتات وأسس لوحدة وطنية من طراز آخر، بغض النظر عن الانتماءات الأيديولوجية والمذهبية، فلم يعرف أحد الانتماء المذهبي لصديقه إلا إذا كان الاسم فاقعاً لا يقبل التأويل. كان حب الوطن يجمعنا ويعقد روابط تواصل مع الخليجيين الآخرين من السعودية والكويت والإمارات وعمان. كلما ابتعدنا عن جغرافية الوطن العربي، كلما كنا، كخليجيين، عائلة واحدة. حصل هذا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي كندا والهند والاتحاد السوفييتي السابق وغيرها من بلدان العالم البعيد عنا جغرافيا. هكذا كانت حياتنا وحركتنا منذ أن أسس لها الرعيل الأول من الطلبة الخليجيين الذين درسوا خارج العواصم الخليجية: بالتحديد في بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد.
في اللحظة الأولى للقائه في القاهرة، اكتسبت صديقا وتشكلت علاقتنا الأولية بيننا مع عالم الكتب المولع بها خالد. كنا نذهب إلى مكتبة مدبولي وسط البلد وندخل سراديبها، كما كنا ندخل بعض المكتبات الأخرى. كان الرئيس المصري السابق أنور السادات قد اغتيل للتو، ولا تزال حينها مصر تعيش الأجواء الأمنية التي فرضتها عملية خالد الإسلامبولي يوم السادس من أكتوبر 1981. وقتها كنت في بيروت وسمعت أزيز الرصاص في الهواء ينطلق دون توقف. شاهدت أما فلسطينية لأربعة شهداء قضوا قبل أيام قليلة من اغتيال السادات في انفجار سيارة ملغومة بمنطقة الجامعة العربية ببيروت، وهي تتقدم مسيرة وترقص فيها رافعة بأعلى كفيها بندقية الكلاشنكوف الشهيرة.
كان خالد رحمه الله، يعلق بنكت وجمل تختصر موقفه من الكتب الجديدة التي صدرت بعد اغتيال السادات. فإبان الرئيس الذي بدأ اختراق التطبيع مع الإسرائيليين بتوقيعه على اتفاق كامب ديفيد، صدرت عديد من الكتب التي عبرت عن طبيعة المرحلة، ومنها كتاب رجل الأعمال المصري الشهير عثمان أحمد عثمان وعنوانه «تجربتي»، وبعد مقتل السادات صدر كتاب آخر يرد عليه بعنوان «تجربته». وحيث كانت المرحلة ضبابية فقد كثرت الكتب التي ترد على كتب صدرت في مرحلة سبقتها وكانت الظاهرة أن يكون العنوان من كلمة واحدة فقط. كان خالد، بما يمتلك من طرافة وخفة دم يعلق على العناوين التي كانت تزخر بها المكتبات المصرية.
قبل خالد كانت المرحومة شقيقته عزيزة، التي تتمتع بعزة وكرامة تعادل كرامة وعزة ألف رجل، قد توفاها الله في نهاية أغسطس 1997 بعد معاناة مع أسوأ أنواع مرض السرطان. لكنها غادرت موقع عملها في الإذاعة البحرينية وهي مبتسمة بسبب موقفها المبدئي، بينما كانت مسؤولتها في العمل تبكي على فقدان طاقة خلاقة مثل عزيزة. الشبه كبير بين الاثنين: خالد وعزيزة. حين كان خالد يضع شقيقته عزيزة في لحدها، راقبته يبكي بحرقة حتى بعد أن وقف يتقبل العزاء في مقبرة المنامة.
جمعتني الصدف مع خالد في صحيفة الأيام البحرينية مطلع تسعينيات القرن الماضي. كان خالد يكتب عمودا يوميا، وكنت أنا كذلك، بعد أن أسست بمعية زملاء ملحقاً اقتصادياً كان يمكن له أن يتحول إلى صحيفة اقتصادية يومية في العام 1995، وفق دراسة الجدوى التي تم تقديمها حينها. كان خالد يحفر في الهوامش المنسية من الصحافة ويقذفها في عين القارئ بهدوء شديد يشبه هدوء صوته الذي لا يسمعه من يحدثه لشدة دماثته.
قدم لي خالد البسام نصيحة بجمل. فحين كنا معا في الصحافة، وافقت الشركة التي كنت موظفا لديها في دبي، على انتقالي لفرعها في البحرين بعد قرابة سنتين من عودتي إلى أرض الوطن. كان العرض مغرياً مادياً، وكنت مولعاً بالصحافة.. تضاربت الأفكار والهواجس في رأسي فطلبت النصيحة من زملائي ووجدتها عند خالد البسام. قال لي: ناوشها من قريب واحصل على رزقك من غيرها. وهكذا كان إلى حين، عندما قررت العودة نهائياً للصحافة من خلال صحيفة الوقت في مايو 2006.
كان القدر يرسم بعضا من تضاريس مشتركة مع خالد البسام. كنت على وشك الذهاب إلى ظفار الإقليم الجنوبي في عمان، إثر ترتيب ذلك، كان وقتها خالد مدرسا في ظفار حيث كانت المدارس هناك تقدم كل ما هو جديد من علم حديث وضعته تلك القادمة من البحرين وجامعة بيروت والجامعة الأمريكية ببيروت. كنت أتهيأ في بيروت للرحيل إلى ذلك المكان الذي تديره المرحومة ليلى فخرو وكرمها أهل عمان على ما قامت به من تأسيس لمدارس تخرج فيها عناصر إدارية وسياسية في مختلف مواقع العمل في عمان. لم يحصل لي ذلك حيث عدت للكويت، لكن خالد البسام كتب روايته عن تلك المرحلة «مدرس في ظفار».
ربما كان الأول من نوفمبر عام 2000 تعويضا عن رحلة ظفار، فقد صدر قرار الاستغناء عن ستة كتاب صحفيين منهم خالد البسام ومحمد فاضل وأحمد البوسطة وكاتب هذه السطور. وقتها كتب الصديق القديم حافظ الشيخ مقالا في صحيفة أخبار الخليج البحرينية مقالا عنوانه «مجزرة الصحفيين»، إلا أن خالد العاشق للورق والقراءة والكتابة خط طريقه بحرفنة العارف ماذا يريد، فكانت الحصيلة أكثر من 32 كتابا في التاريخ والأدب والصحافة، فضلا عن عديد من الجوائز المحلية والإقليمية التي استحقها بجدارة. رحم الله خالد البسام وأسكنه فسيح جناته وألهم عائلته وذويه الصبر والسلوان، فقد كان مبدعاً حقيقياً افتقدناه مبكراً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٧) صفحة (١١) بتاريخ (٢٠-١١-٢٠١٥)