شيخة الهاجري

التقدير صفة نادرة وجوهرية، تنبع من أعماق نفسية صافية، وصادقة نقية، وفريدة بروحها العالية الندية، والتقدير له مظاهر عدة، وقد يكون من الأساليب المميزة في التعامل من قِبل النبلاء والكرام وأصحاب السخاء، فهم فقط مَنْ يتعاملون به.
في ارتداء حلة التقدير مظهر سلوكي راقٍ، يسمو بصاحبه إلى منزلة عالية كبيرة، وعند نزع الغرور والتجاهل واللامبالاة يزداد المرء جمالاً وسعادة بسبب ذاك الشعور العميق، الذي يتملكه، وينعكس عليه وعلى مَنْ حوله من جمال ونقاء.
بطبيعة الحال، إن من أبسط وأجمل مظاهر التقدير، أن تقبِّل يدي والدتك فتنهاك عن ذلك، حينها تسرع إلى قدميها لتقبلهما، فإن لم تنل شرف قبلات اليدين، نلت ذلك من القدمين، وأنت تدعو لها بطول العمر، وحُسن العمل، أو يلفت انتباهك وجه شخص عبَّر بابتسامته المشرقة عن تمنياته بيوم جميل لك، فتبادله الابتسامة، وأنت تقول في نفسك: ولك مثله. أو أن يفتح لك أحدهم الباب للدخول قبله، فتشكره، و تقدِّر عمله الحسن. لسنا في حاجة إلى معجزات، أو أمور خارقة خارجة عن المألوف لكي نقدِّر ما يقدم لنا، وما نعيش فيه من نِعم جليلة، حبانا الله بها، بل نحتاج إلى تعلم لغة الشكر والتقدير، التي تدخل في إطار السهل الممتنع،
السهل في المفهوم، والممتنع الذي يتحقق بحرصنا عليه، فكل ما علينا فعله هو تعلم كيف نقدِّر، ومتى نقدِّر، والتقدير يُلزم أتباعه برد الجميل، فمثلاً عندما تخرج مترجلاً إلى متنزه قريب من منزلك، وتقوم فيه بممارسة رياضة المشي، وتجد في ذلك المتنزه متنفساً ومكاناً ملائماً للاستجمام والتأمل، حينها عليك أن تقدِّر خدمات بلدية مدينتك، التي حرصت على توفيرها عبر مرافق عامة لخدمتك، ومن أجلك، وكل ما عليك فعله هو عدم العبث بالممتلكات، أو إلحاق الضرر بها عبر رمي المخلفات، أو القيام بسلوكيات غير حضارية، فإن قدَّرتها، وحافظت عليها، انعكس ذلك على مدى شعورك بالامتنان لوطنك، الذي يحرص على أن تعيش حياة رغيدة كريمة.
التقدير يرتبط ارتباطاً ظاهرياً جليَّاً بالشكر، ورد الجميل، وليس شرطاً أن ترد الفعل بفعل آخر يساويه في المقدار، بل بتقدير يفيض بمشاعر الإجلال والامتنان.
لا شيء يضاهي روعة الامتنان بدعوة في ظهر الغيب، أو ذود عن صاحب المعروف حين يذكر بسوء في غيابه، أو حتى بحفظ ماضيه معك أينما حللت، تذكره بالخير. في اعتقادي أنه لا أحد يرغب في أكثر من أن يُذكر بالخير، أو أن يتم الدعاء له بالرحمة، فهذا أفضل وأجمل تكريم يناله الإنسان في حياته وبعد مماته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٢-١١-٢٠١٥)