أ. د . محمد خليفة التميمي - المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

أ. د . محمد خليفة التميمي – المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

هيئة كبار العلماء هي إحدى مؤسسات الدولة، ولها دورها المنوط بها شأنها شأن بقية المؤسسات الأخرى، وقد اختير لهذه الهيئة صفوة من العلماء المشهود لهم بالفضل والعلم والتواضع والقبول عند ولاة الأمر وعامة الناس وخاصتهم، وهي بحمد الله تقوم برسالتها خير قيام فيما أوكل لها من مهام، وكم هو جميل تلك المكانة الخاصة التي تعطى لهم في مجالس ولاة الأمر، وكم هو جميل عندما توحد جهة الفتوى ويكون لهم الصدارة في البرامج الإذاعية والتليفزيونية التي تجيب على أسئلة الناس من داخل وخارج السعودية، مما يدل على أن القبول لهم بحمد الله لم يقتصر على المستوى المحلي بل تعداه للمستوى العالمي، وكم سمعت من أناس من خارج السعودية يغبطوننا على هذا الوضع ويشتكون في الوقت ذاته من تعدد مصادر الفتوى في بلدانهم وما تسببه من تشتيت للناس وتحيرهم.
ولهيئة كبار العلماء مكانتها ودورها الكبير بين بقية العلماء والمشايخ والدعاة وطلاب العلم من حيث القدوة والمرجعية في أمور ومسائل وقضايا متعددة تمس الواقع العلمي والعملي والمجتمعي في جو يسوده المحبة والود والاحترام حيث يتمحور البحث ومناقشة القضايا على أساس الحجة والدليل الشرعي المبني على الأدلة والنصوص.
وهذا التعاضد والتكاتف والتعاون ولد فوائد كبيرة وعظيمة ومنافع خاصة وعامة، وكف كثيرا من المشكلات والصراعات والفتن، وهو بمنزلة صمام أمان فكري، إلا أنه شرقت به حلوق أناس لم يعجبهم أن تكون تلك الجهة حائط صد ضد أفكارهم ومشاريعهم التي يقصد من ورائها فك اللحمة والتكاتف بين الراعي والرعية وبين الدين والمجتمع فصاروا متى ما سنحت لهم فرصة ينالون من هيئة كبار العلماء ويحالون بطرق شتى التشكيك في دورهم ومكانتهم لدى عامة الناس وخاصتهم.
والعجيب في الأمر أن أولئك المتحاملين هم على فئتين، كلتاهما على طرفي نقيض، ولكن مع ذلك اتحدتا في الهدف والغاية وهي محاولة النيل من مكانة ودور هيئة كبار العلماء، فالفئة الأولى نادت بالتكفير والخروج على ولاة الأمر ولا تزال هذه الفئة تحاول الطعن في العلاقة المتميزة بين ولاة الأمر والعلماء فتصفهم بأنهم علماء سلطة وبغير ذلك من عبارات الانتقاص التي تدل على إفلاس قائليها وعجزهم عن المقارعة بالحجة والدليل. وفي الطرف المقابل يأتي صنف يتقنع بقناع الثقافة والحداثة ويتسمى بمسميات تيارات يُزعم أنها عالمية ويتبع أسلوب الغمز واللمز والعبارات الملتوية والمغلفة التي لا يستوعب مراميها إلا طبقة من الناس يراد لهم أن ينجروا وراء ذلك التيار بغية تكثير سواده وإشاعة فكره. فتراهم يحاولون إسقاط واقع القرون الوسطى على واقع المسلمين المعاصر، ويربطون بين الواقعين ليصل بذلك لنتيجة مؤداها أن يشبه المؤسسات الدينية بحال الكنيسة في ذلك الوقت، فيصور لهم أن المؤسسة الدينية تسلطت عليكم كما تسلط رجال الكنيسة على أوربا وأنه لا خلاص من الواقع الذي نعيشه في دولنا واللحاق بركب العالم الغربي إلا باتباع تلك الأساليب والوسائل من استعداء المجتمع على المؤسسة الدينية وإقصاء دورها في المجتمع المدني على حد تعبيرهم باعتبارها أحد معوقات التقدم المدني والحضاري، وقد سبق تلك الدعوة دعوات منها فصل الدين عن الدولة، وتأتي هذه الدعوات ضمن دعوات أخرى تنال من مناهج التعليم ومن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الجهات التي ينال منها بشكل مستمر ومتكرر، وهنا لابد لهذه الدعوات أن تواجه وأن يحاسب أصحابها لما تسببه من تشويه للحقائق وإخلال بالثوابت وزعزعة للاستقرار الذي ننعم به في بلادنا، فمعاول الهدم لابد أن توقف مهما كان انتماؤها حتى يبقى الكيان شامخاً عصياً على من يحاول النيل منه.

 

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-١١-٢٠١٥)