* تعتبر حادثة إسقاط الطائرة الروسية مقدمة لدخول المنطقة في مرحلة جديدة من التجاذبات ميدانها الأراضي السورية المشتعلة أصلاً، والمنتشرة فيها أغلب العناصر الإرهابية القادرة على إحداث الفوضى في المنطقة برمَّتها، فضلاً عن العراق، وبعض المناطق الرخوة

الجريمة الإرهابية، التي تعرضت لها تونس يوم الثلاثاء الماضي بتفجير حافلة الأمن الرئاسي، لن تكون العملية الأخيرة في مسلسل التفجيرات، والأحزمة الناسفة في كل مكان، بل قد تكون بداية طوفان اليأس المنتفض باستيقاظ الخلايا النائمة الموزعة في العواصم العربية، والأجنبية، كجواب مباشر على الضربات الموجعة، التي يتعرض لها تنظيم داعش، وأخواته في العراق، وسوريا، وبعض العواصم الأخرى، وربما هو كشفٌ للغطاء عن جزء من الحقيقة الغائبة.
لقد سبقت جريمة تونس عمليات أخرى في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي باريس، ومالي، وقبلها في الدالوة، والرياض، والكويت، وبين هذه العمليات كان العراق، وسوريا مسرحاً لكل موبقات الإرهاب وإجرامه، ومن الواضح أن الهدف الأكبر لهذا الإرهاب هو إثارة الرعب والخوف في صفوف الناس تمهيداً لتفتيت الدول العربية إلى دويلات طائفية، ومذهبية، وتفكيك الدول المركزية، التي تشكِّل العمود الفقري للأمة، والسيطرة على خيراتها. هذا التفتيت، الذي بدأ بالفعل، يشكِّل مصلحة صهيونية بامتياز، لذلك تتكشف تغذية القائمين على عملية التفتيت، ودعمهم من قِبل الرعاة، ومن صورها ما يقوم به تنظيم داعش، والجماعات الإرهابية الأخرى من عمليات تصدير للنفطين العراقي والسوري إلى الكيان الصهيوني بأسعار بخسة بعد أن يصل إلى هناك عبر موانئ تركية، ومن خلال سماسرة، يملكون شركات بعضها وهمية. يتم تكرير النفط في الكيان الصهيوني ليعاد ضخه في السوق المحلي، والأسواق الأخرى. لكن هذا جزء من المصلحة الصهيونية، والمصلحة الكبرى تتمثل في تقديم المبرِّر الحاسم للاعتراف بالدولة اليهودية الخالصة، الخالية من الفلسطينيين أصحاب الأرض، حيث تجري عملية التحضير لعملية الترانسفير الكبرى للمواطنين الأصليين من أراضيهم، ومنازلهم إلى بقاع أخرى، ويُستخدم في ذلك القتل بدم بارد، كما هو حاصل الآن في الضفة الغربية، وقطاع غزة، ليتم جلب مهاجرين من شتى أنحاء المعمورة، يحتلون منازل الفلسطينيين، وأراضيهم، وأشجار زيتونهم.
قد يفيد فرض حالات الطوارئ في البلدان، التي تتعرض للعمليات الإرهابية، لكن مفعولها لا يتجاوز التأثير الآني، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع عمليات انتقام، وفجور في الخصومة السياسية ضد أطراف لا علاقة لها بالإرهاب، بل هي ضحية له كباقي فئات المجتمع. البطش في الطوارئ يسهم في زيادة الاحتقان، ودخول عناصر جديدة على خط الإرهاب، واليأس من الحالة القائمة. وحتى لا يكون المواطن بين إسفين: إرهاب داعش، والتنظيمات المسلحة الأخرى، وبين مواجهة هذا الإرهاب بطريقة تصب فيها الزيت على نار الأزمة، فإن المطلوب هو مغادرة عقلية الانتقام والفجور في الخصومة، والتوجه إلى بناء المجتمع على أسس جديدة غير تلك التي فرَّخت الإرهاب، ورعته بمعطيات، وحاضنات، أصبح من الصعب تفكيكها الآن إلا بعمليات جراحية ذكية قادرة على حفظ بيضة القبان في موقعها دون أن تميل كفتها فيختلَّ العلاج المرجو، وينحرف إلى غير سبيله. ويبدو أن تطورات الأوضاع تقود إلى كشف الغطاء عن الإرهاب من جهة، واستيقاظ خلاياه النائمة من جهة أخرى، وما حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قِبل الجيش التركي إلا مقدمة لدخول المنطقة في مرحلة جديدة من التجاذبات، ميدانها الأراضي السورية المشتعلة أصلاً، والمنتشرة فيها أغلب العناصر الإرهابية القادرة على إحداث الفوضى في المنطقة برمَّتها، فضلاً عن العراق، وبعض المناطق رخوة الخاصرة. ففي رد الفعل الأولي على إسقاط الطائرة التركية لوحظ تباينات كبرى بين مَنْ يعلنون الحرب على الإرهاب، وبغض النظر عن الأسباب التي قادت إلى هذه العملية، فإن النتائج قد تكون كارثية، خصوصاً في استنفار الخلايا الإرهابية، وإمكانية إقدامها على ضرب مواقع منتقاة في أي عاصمة، يجد تنظيم داعش أنه يمكن أن يؤثر فيها. وما هو بائن أن مزيداً من الدماء ستسيل في سوريا، وسيدفع ثمن ذلك المواطن العادي الفقير والمعدم، الذي لم يتمكَّن من الهرب من الجحيم بسبب فقره وعوزه، وفوق ذلك انتمائه وتمسُّكه بأرضه، التي ليس له غيرها، بخلاف بعضهم من الذين يتصرفون مع الوطن كأنه حقيبة سفر، يضع فيها كل أنواع العملات الصعبة ليفرَّ بها بعد أن جفَّ ضرع البقرة الحلوب، وكثر ذبَّاحوها، بينما يعقد بعضهم الآخر صفقات أسطورية من التسلح دون أن يستخدم طلقة واحدة لمواجهة الخطر المحدق بالوطن.
إن مراقبة انتشار الإرهاب لا يكفي، والحاجة ماسة إلى خطوات إلى الأمام، أهمها عملية تجفيف منابعه الفكرية، والأيديولوجية، والمالية، والاجتماعية، وذلك من خلال إعادة تشكيل الأرضية المجتمعية النابذة للإرهاب عبر إعادة صياغة المناهج الدراسية، التي ترفض الآخر، ووضع قيم التسامح، التي يتسم بها الدين الحنيف، وتجريم التكفير في مكانها، وهذا لن يكون إلا بدولة المواطنة المتساوية، التي تتعزز فيها العدالة الاجتماعية، ويُنبذ فيها التمييز بكافة أشكاله، وإحلال التنمية المستدامة مكان التهميش كي يتم تعظيم الانتماء إلى الوطن الرافض للإرهاب والتدمير والقتل على الهوية.
لن يتأخر الوقت لتستيقظ الخلايا الإرهابية النائمة، فقد دبَّ النشاط في أوصال بعضها بالفعل في الضاحية، وباريس، وتونس، ومالي، ومصر، وهي تنتظر ساعة الصفر لتفيق حتى تمارس إرهابها، والحل ليس أمنياً فقط، بل هو أيضاً اقتصادي وسياسي واجتماعي بامتياز، وغير ذلك سيكون الوضع أشبه بثور الساقية، الذي يدور حول نفسه طوال الوقت.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٧-١١-٢٠١٥)