د. مقرن فؤاد الخياط

د. مقرن فؤاد الخياط

مَنْ منا يحب أن يتألم؟ نحن نسارع إلى علبة «البنادول» لتناول حبتين منها بمجرد أن نشعر بالصداع، ونهرع للطبيب لعله ينجدنا، لكن الذي لا نعرفه هو أن الألم علامة تدل على الحياة.
في كل جزء من أجزاء جسمك تنتشر مستقبلات عصبية، بعضها يتحسَّس الحرارة، وبعضها متخصص للملمس ونوعيته، وبعضها يهتم بتحديد مكان الأطراف في الجسم، وموقعها في الفضاء، وهناك نوع من الأعصاب خاص بالألم، يرسل إشاراته الكهربائية عندما نوخز بإبرة، أو نُجرح بسكين، أو نُضرب بعصاً قاسية أو ليِّنة، وأهمية هذه الأعصاب تكمن في إخبارنا بمكان الخطر لنبتعد عنه، وحتى داخل الجسم في أعضائنا الداخلية في الكبد، والمعدة، والبنكرياس، توجد هذه الأعصاب، لأن العضو عندما يمرض، تُفرز منه أنواع من المواد، تؤثر على أعصاب الألم، فنتألم، وبهذا نسارع إلى المستشفى لطلب العلاج.
لقد خلق الله لنا هذا النوع من الأعصاب لا لكي نعاني، ولكن لـ «نستصح»، فلو أن المرض استشرى دون الإحساس به لوصل إلى مرحلة مضاعفة، يصعب حينها العلاج، ومن العجب أن تعرف البعوضة هذا القانون، فتفرز مادة مخدرة قبل أن تلسع الجلد، ومن العجب أن تعرفه بعض الخلايا السرطانية، أعاذنا الله منها، وشفى كل مريض، فتفرز مواد تمنع حدوث الإشارات العصبية في محيطها حتى تكبر، ومن العجب أن تعرفه أيضاً بعض الميكروبات والبكتيريا. الذي نريد أن نصل إليه هو أن الألم، والإحساس به نعمة يجب أن نشكر الله عليها، وصدق الله تعالى، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً، فالألم عسر، لكن الإحساس به يسر، والألم يدل على المرض، وهو عسر، لكن استشعاره يرشدنا إلى طلب العلاج، والتفكير فيه، وهذا العلاج يسرٌ، وأي يسر، فسبحان الخالق العظيم.
كل أمة تتعرض للمصائب، ولا يخلو من العيب أحد، وقد قضت سُنَّة الله أن الإنسان خطَّاء، خطَّاء بطبيعته، وبما أودع الله فيه من غرائز، يتحكم فيها حيناً، ويزيغ حيناً، ولذا فتح الله له باب التوبة، يخطئ، ثم يتوب، ثم يخطئ، ثم يتوب، ثم يخطئ، ثم يتوب، فيقول الله له بعد ذلك: افعل ما شئت فقد غفرت لك. فليست المشكلة الكبرى في الخطأ نفسه، لكن المصيبة تكون عندما لا نشعر به، ولا نتألم بحدوثه، ونُغيِّبه في ذاكرة النسيان، ونتحدث عن التفاهات، كأنها الأمور العظام، وليس الجرح البسيط في طرف الإصبع مثل الطعنة العميقة الدامية في الصدر!
فإذا ما جلست يوماً، ولم يكن عندك همٌّ، أو هدف رفيع، ترتقي به في حياتك، وتقترب فيه من ربك، وإذا ما رأيت الدنيا وكأنها العسل الصافي الخالي من الشوائب، فاعلم أن سَكْرَةً في الموضوع، تلهيك عن الحقيقة، وليس المعنى أن تعيش مهموماً طوال وقتك، فالحياة جميلة، جعلها الله لتكون طيبة للمؤمن، ولكن المؤمن هذا لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش لمبادئ يحيا من أجلها، وكمالات يسعى إلى بلوغها لا تتسع لها الأيام، وهو يتأمل في جنة عالية، يتعب من أجلها حتى يلاقيها، وهناك تكون الراحة الأبدية التي لا يشقى بعدها أبداً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٨-١١-٢٠١٥)