نوير الهاجري

للحياة السليمة مقومات على الكون كما على الإنسان، فما هو حق كلٍّ من الكون والإنسان؟ وما هو المعيار التبادلي، الذي يقضي بينهما بكل إنصاف؟ إن عملية الأخذ لا تكون إلا بالعطاء، وعملية العطاء لابدّ لها من أخذ، فللزرع حصاد، وللاجتهاد نجاح، وموازين الاستحقاق التبادلي المنتشرة، هي مثالٌ واضح، فبها يهتدي الإنسان في سعيه في هذه الأرض، وعيش الحياة السليمة بصورة مُرضية! والإنسان بفطرته يسعى دوماً إلى الكمال باستغلال ما حوله من المعطيات لكي يفي بمتطلباته العديدة، التي يحتاج إليها، وتستلزم منه أن يُنشِّط ما وضع الله فيه من عقل وقلب، وأيضاً الأخذ بالمستجدات في العالم من حوله، وتطور العلوم المختلفة، فهي تُبدِّل كل شيء، وأحياناً تربطه. جميع تلك الأمور عبارة عن مثيرات، تساهم في عمل الكائن البشري، ودوافعه بصفته إنساناً، ومتطلباته الحسية والمعنوية، ولا ريب في أنها تتوسع مع توسع هذا العالم، وتتبدل مع تبدل العالم أحياناً في جزء من المجالات، لذلك على الإنسان أن يتعلم أن نقطة التغيير يجب أن تبدأ منه أولاً، ثم تنتقل إلى مَنْ حوله، ثم إلى الأرض، فيصبح من الاستحالة أن يبدِّل أحد أمرين مترابطين دون أن يبدِّل الآخر، إلا إذا انفك الرابط الذي يصل بينهما، ولكن، ما الذي قد يفصل الإنسان عن الأرض دون الموت؟ لا شيء. إن توقف بعض البشر عن القيام بأي شيء لجهلهم بالمعطيات، وعدم سعيهم إلى توفير المتطلبات، وإيقافهم كل ما سخَّره الله لهم من قيمة جوهرية عالية، تعينهم على السعي في الأرض، وإنمائها بصورة تمنحهم العيش الرغيد، والوصول إلى الحياة الكريمة، ينافي الفطرة.
تكمن فكرة بعضهم في أن الدنيا بأصلها ناقصة، ولا كمال فيها، وهذا ليس سبباً منطقياً لعدم إعمارها، بل المقصود من ذلك ألا تطمع فيها، وتنسى الآخرة. إن الإنسان السوي، المقدِّر ما منحه الله من مميزات ومكارم، ميَّزته عن سائر المخلوقات، تراه يعمل في دنياه ويسعى فيها، والله سبحانه لم يختر البشر، ولم يُخلفهم في الأرض عبثاً، تعالى عن ذلك، بل لكي يسعوا فيها، حتى إنه سخَّر لهم جميع الإمكانات من أكبرها إلى أبسطها، فأمر الملائكة بخدمتهم من حفظة، وكتبة، وملائكة جبال… بل إن الأرض بحد ذاتها سخَّرها لهم، ومهَّد لهم فيها سُبلهم، وهداهم إليها، لذا فالفطرة السليمة، والإيمان الحقيقي، يكمنان في السعي بإيجابية في حياتنا، والعمل في الأرض بكل أمل وطموح مدعَّمٍ بمحفزات «إيمانية»، من حُسن ظن بالله، وتوكل عليه، وطلب لمثوبته، فحينما تُعمِّر الدنيا بكل هذه المقومات، وكأنك تقوم بإنجاز إعماري دنيوي للإنجاز الحقيقي الأخروي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٨-١١-٢٠١٥)