رائد العسكر

رائد العسكر

بداية سأتطرق سريعاً إلى بعض ملامح جمهورية فرنسا، لنستطيع الوصول معاً إلى نتيجة معقولة لما يحدث في العالم وفي فرنسا تحديداً.
فرنسا، هي جمهورية دستورية ذات نظام مركزي وبرلماني ذي نزعة رئاسية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 66 مليون نسمة، وهي تقع في أوروبا الغربية، وخامس أكبر اقتصاد في العالم في 2004 بعد الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، والصين. وفرنسا هي أغنى دولة في أوروبا، والرابعة على مستوى العالم.
وبالنظر إلى قطاع الطاقة الأوروبي، وتعطش قطبي العالم للفوز به، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي تنتج حوالي 30 % من طاقتها بواسطة الغاز الطبيعي والنفط، ومعظم هذا الطاقة مستوردة من روسيا، التي تعتبر أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في أوروبا، وهي صاحبة أكبر احتياطي مثبت للنفط في أوروبا، وأكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم.
وتعد الولايات المتحدة حالياً أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم بسبب التوسع في إنتاج الغاز الصخري، وإذا تم الانتهاء من مشاريع تصدير الغاز المسال، فستكون أوروبا واليابان أكبر الزبائن المتعطشين إلى هذا الغاز.
سياسياً تتعامل فرنسا حسب مصالحها مع باقي دول العالم، حيث كانت فرنسا وألمانيا ضد العقوبات الصادرة من الولايات المتحدة تجاه روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، لأن تلك العقوبات تطال شركاتهما العاملة في روسيا، وتؤدي إلى انخفاض إمدادات الغاز الروسي لهما، وهو عنصر اقتصادي مهم لفرنسا وألمانيا، كما أن فرنسا لا تدور بالضرورة في فلك قطبَي العالم بمساندة قضاياهما السياسية، فمثلاً لا تعمل فرنسا ضمن التحالف الدولي ضد الجماعات الإرهابية، فهي تختار أهدافها لوحدها في ضرب «داعش»، وتعتبر فرنسا المحور الاقتصادي والسياسي والعسكري الأنشط بين نظيراتها من دول أوروبا، لذلك لا أستغرب قيام الجماعات الإرهابية بمحاولة زعزعة أمن تلك الجمهورية لأهميتها بين الدول الكبرى، ومحاولة إعادة تموضعها السياسي والاقتصادي لصالح مَنْ يدعم تلك الهجمات،
ولا أشك في أن المحرك الأساسي لكل القوى العالمية هو الاقتصاد، والاقتصاد فقط، واستناداً إلى مقولة «الغاية تبرر الوسيلة» نجد أن الجماعات الإرهابية العالمية تعمل بالوكالة والخفاء لصالح دول اقتصادية كبرى لتمرير مخططات سياسية، تصب في النهاية لمصالح اقتصادية، ولو أمعنا النظر أكثر سنرى أن كل الدول العالمية الكبرى تتقاطع مصالحها مع فكر استعماري، هدفه اقتصادي، مبررة الوسيلة التي تفضي إلى تحقيق مصالحها، وما يحصل في العالم كله، خصوصاً أوروبا، والشرق الأوسط يؤدي إلى نتيجة واحدة، هي صراع نفوذ لتمرير المصالح الاقتصادية، والهيمنة على مصادر الثروات، وعلى الأسواق الكبرى.
ومن زاوية تحليلية أخرى، أرى أن إعلان فرنسا الحرب على الجماعات الإرهابية، حتى لو كان ذلك خارج أرضها، قد يسمح لها بتمرير تصريح دولي لهجمات أكثر ضراوة من روسيا في سوريا بداعي مكافحة الإرهاب، واستغلال ما يمكن استغلاله لترجمة الفكر الاستعماري لأهداف سياسية واقتصادية، كما حصل في الحرب على العراق بسبب أحداث 11 سبتمبر، التي برَّرت للولايات المتحدة وبريطانيا احتلال العراق.
إذن، نحن أمام مخطط سياسي واقتصادي كبير وهائل، ستطفو نتائجه على السطح قريباً، وما الجماعات الإرهابية «الجلاد»، والدول التي تتعرض لعملياتها «الضحايا» إلا وسيلة للوصول إلى تلك الغاية كما أعتقد، والله أعلم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٩-١١-٢٠١٥)