عفاف حداد

من المهم جداً قبل قراءة هذا المقال أن يفهم القارئ جيداً قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) «البقرة 228» وما ورد فيها من تفسيرات من مثل قول الإمام ابن كثير في تفسيره: «أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فلْيؤدِ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف» (تفسير القرآن العظيم 1/609).
والمعروف كما يقول الشيخ السعدي: «العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص والعوائد» (تيسير الكريم الرحمن 101) وفي البداية أنوّه إلى أنه من الطبيعي أن أذكر عند الحديث عن التفريط في الحقوق الأساسية للزواج جانب الزوج لأنه في العادة يملك قراره، ولن ينتظر أو يصبر سنين على زوجة لا تعطيه حقوقه الشرعية الأساسية في حين تضطر كثيرات من الزوجات لذلك أملاً في صلاحه وهدايته وخوفاً من نظرة المجتمع لها بعد الطلاق، وتنفيذاً لوصية من حولها لها بالصبر.
وبعد هذا أُحيل القارئ الكريم إلى بعض الصور الواقعية في مجتمعنا لبعض الأزواج – هداهم الله- حتى يحكم بنفسه، ويردَّ عن التساؤل الرئيس لهذا المقال: هل هذا من المعروف؟
- زوج يمتنع عن إيفاء زوجته حقها الشرعي في العلاقة الحميمة دون بيان مع الأسف منه على ذلك؛ بل يتخفى وراء أسباب واهية، وأعذار هشة.
- زوج يمنع زوجته من زيارة أهلها دون سبب مقنع فلم ترهمْ منذ سنة كاملة، وهم يسكنون في الحي المقابل لها؛ لتهديد زوجها لها بعدم زيارتهم أو سيكون الطلاق نصيبها.
زوج يطلب من زوجته إصلاح الثلاجة من مالها الخاص، ودفع فواتير الكهرباء للمنزل وشراء احتياجات الأولاد من راتبها، وإذا سُئل عن السبب يفاجئك بقوله: ليس لديّ مال، فراتبي قليل، وأعدّ العدة حالياً لفتح بيت آخر!! وعندما تتقدّم الزوجة بشكوى لكل حالة مما سبق تُلزم برفع علم الصبر لأنها إن أكثرت الشكوى بجرجرة زوجها في المحاكم، وأنها لن تكون بهذا زوجة صالحة؛ لأنها لم تصبرْ على زوجها!أتصبر على ضياع حقوقها الأساسية ؟هل تتزوج المرأة لتُمنع من حقوقها الشرعية بالمزاج؟ ويضطرها لطلب «حليب الطفل» من أهلها؟؟
أتفهم جداً صبر المرأة على زوجها الذي يبيِّن لها حججه القوية عندما يمنع عنها حقاً بسبب مرض أو عجز جسديّ أو ماديّ حقيقي، فمن باب العشرة الحسنة أن تصبر عليه، أما أن يكون التقصير خاضعاً للمزاج أو للإضرار بالزوجة، مع وعظها له مراراً وتكراراً ومحاولاتها أن يرجع عن رأيه، فلا صبر هنا؛ لضياع الحقوق الأساسية التي قام لأجلها الزواج فلا «ضرر ولا ضرار»، وقد كفل لها الشرع تلك الحقوق، وألزم الزوج بأدائها كما فرض على الزوجة حقوقاً لزوجها، وألزمها بأدائها، وتوعدها مرهباً لها من التقصير فيها.
فكيف يقول عاقل بحرمة التقصير ومنع الحقوق من الزوجة لزوجها في حين أن يفعل الزوج ما شاء من تقصير ومنع دون رادع هذا بالتأكيد يتنافى مع تعاليم الدين الحنيف.
هناك أزواج يتخذون من الحقوق الشرعية الواجبة أسلحة لليّ الذراع، والإذلال، وزوجات يقابلن الخطأ بخطأ مثله بعدم أداء الواجبات التي عليهن أو السكوت، رغماً عنهن حتى لاتتهم بما لا تريد، وبهذا تضيع الحقوق، وينتهي الأمر بالبيت إلى انفجار لا يُبقي ولا يذر.
إن عدم تأدية الزوجين واجباتهما الشرعية حرام يُغضب الله تعالى ويضطر مهضوم الحق لطلبه بكل وسيلة، لاسيما إن كانت حاجة ملحّة لا مجال لجعلها أداة لتصفية الحسابات.
ولا يظنّ أحد أبداً أن قوله تعالى: «وللرجال عليهن درجة» :تعني أن تمنع أداء حق الزوجة عليك دون مبرر مقنع إنما يراد بها: «في الفضيلة في الخُلُق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح..» «تفسير القران العظيم 1-610»
ولا يُقصد بالحديث عن المعروف هنا المنع الحاصل من الزوج في كماليات الحياة، وترفها، أو تشجيع الزوجات على أثقال كاهل الأزواج بنفقة لا تتحملها سَعتُه، إنما القصد أداء الحقوق الواجبة التي يُعد الإخلال بها نسفاً لأساس الزواج ، وانتهاكاً لميثاقه الغليظ حتى يعرف كل منهما ماله وما عليه، فلا تلعب الأمزجة عندهما دوراً في تحطيم المنزل وضياعه.
وهدفي من وراء هذا وضع اليد على الجرح، وتعقيمه، وعلاجه قبل أن يستفحل ويخرج عن السيطرة، والحلّ الأمثل لكل ما يحتدم بين الزوجين من مشكلات هو في الرجوع إلى شرع الله وتحكيمه بينهما بدلاً من الأمزجة والأهواء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٧) صفحة (١٠) بتاريخ (٣٠-١١-٢٠١٥)