وفاء حامد فلاتة

اعتدت يومياً أن أتصفح حساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي، كما اعتادت عينايَ أيضاً على رؤية التعليقات الجميلة التي يغرد بها بعض المتابعين، فكثيرٌ ممن يملكون مواهب فذة في الكتابة الأدبية يقومون باستغلال هذه الموهبة في التعليق على صورهم بطريقةٍ جميلة، ولكن هناك فئةٌ أخرى يفوقونهم عدداً، يكادون أن يطغوا عليهم، أناسٌ يغردون بتعليقاتٍ في حسابات الآخرين بكلماتٍ وألفاظٍ لا يقوى المرء على لفظها بينه وبين نفسه، والبعض يشهرون بها في العلن وبكل أريحية!
أصبح من الطبيعي رؤية مثل هؤلاء الناس بكثرة دون استغرابٍ أو تعجب، وأغلب هؤلاء يكونون من متابعي المشاهير الذين يجندون قواتهم البحثية في كل مكان، منهم من يقتنص أخطاء المشاهير وينشرها على العلن محاولاً أن يشتهر في ذلك العالم الوهمي متسلقاً على ظهر شخصٍ آخر، ومنهم من يتابع بإعجابٍ فاغراً فاهُ ظناً منه أن كل ما يراه من هؤلاء المشاهير من رحلات وضحكاتٍ وحياةٍ جميلة هوَ فقط ما يعيشه هؤلاء نادباً حظه متمنياً حياة تشبه حياتهم مليئةً بالتشويق، دون أن يعلم أن ذاك المشهور لا يريه سوى ما يريد أن يراه بالفعل.
هذا ما جعل «تويتر» و«سناب» و«إنستجرام» ساحات مصارعةٍ حرة تحوي جميع أنواع الأسلحة دون الالتزام بأي قانون، ما عليكَ سوى أن تسل لسانك وتجهز أصابعك عاصراً عقلك ليُخرج فمك كلماتٍ وقعها يوازي وقع السياط على جلود الأحصنة في سباقات الخيل العظيمة، فقط تصفّحْ حسابات بعض المشاهير لترَ العجب العجاب.
رأيت صورةً في إحدى المرات وقد نالت استحساني للجمال الذي ظهر فيها، طبيعةٌ ساحرةٌ لمنظرٍ خلابٍ للغروب، وما أن هممت بكتابة تعليقٍ حتى رأيت الكلمات والألفاظ المخلّة بالآداب يتقاذفها الناس صغاراً وكباراً، يتشاجرون ويتلاعنون وهم حتى لا يعرفون بعضهم، يسبون هذا ويقذفون ذاك، دون الالتزام بقواعد الأدب أو الأخلاق الاجتماعية، متناسين أن هناك أطفالاً يقرأون ويسمعون هذه الكلمات ويرددونها دون وعي، ثم نأتي لنشد آذان أطفالنا بمجرد سماعنا لهم وهم يتفوهون بهذه الكلمات، ليس خطأهم أن بعضهم لم يعد يرى أن التفوه بمثل هذه الترهات والكلماتِ أمرٌ معيب، فكيف لنا أن نلومهم ونحن السبب؟ وعندما تسمع الأسباب التي جعلت من التعليقات جبهةً مهمةً للقصف؛ تتعالى ضحكاتك لشدة التخلف والفراغ اللذين يملآن عقول هؤلاء الناس، وحجتهم الوحيدة للسب والشتم هو رؤيتهم أن صور ذلك الشخص ساذجة، ولكَ أن ترى من هوَ ذاكَ المنتقد!، هوَ شخصٌ فاشل عاطل عن العمل بالكاد يجدُ قوتَ يومه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-١٢-٢٠١٥)