ماهر التمار

ماهر التمار

عندما كنت صغيراً لم أعلم بخطورة الأمر الذي أبداه وخافه رسول الله عليه الصلاة والسلام على أمته عندما عمل حركة استثنائية أثناء حديثه الذي بدأه بسؤال استفهامي ليلفت النظر حول أهمية ما يقول: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ – ثلاثاً – قلنا: بلى يا رسول الله..
قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس، وقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت»، رواه البخاري.
هذه الحركة، وهذه العبارة الأخيرة المتكررة في الحديث الشريف تعمل التفاتة واهتماماً للسامع …أن الأمر عظيم، وما يترتب عليه عظيم، إن فشا وانتشر، إنه من أمهات الكبائر والرذائل الأخلاقية النابعة من النفسية المريضة التي احتوت على الحقد والحسد والظلم والكذب والبهتان.. حتى أصبحت ترى شيطاناً في صورة إنسان.. وإن تجمل. وحيواناً مفترساً يلعق الدماء وينهش لحوم المظلومين.. وإن تمسكن. ومنافقاً فاجراً في خصومته ينتهك الأستار والأعراض.. وإن تدين.
هذا الزور وتعاطيه يعتبر مصيبة، بل هو مشكلة.. إذا نما في المجتمع واستشرى في أفراده، وعلا صوته وتُستر عليه، فسوف تتقطع العلاقات، ويغيب حسن الظن، وينحسر مد الحب، ويخبو نور الصفاء.
ولو حاولنا أن نقترب من هذه العقلية التي تزأر بالزور، التي لا ترى إلا نفسها في التعامل مع الأحداث التي حولها.. واقتربنا منها أكثر.. وأكثر.. واخترقناها ووصلنا إلى عقليتها: «لوجدناها عقلية بسيطة لا يتجاوز نظرها موطئ قدمها، تطمع في كسب الحاضر الفاني بخسارة الآجل الباقي».
ثم بعد ذلك لو نزلنا إلى أعماق قلبها: «لوجدناه غائما بلا رؤية واضحة، عائما بلا طوق نجاة، ظالما دون أن يقول الحق ولو على نفسه..».
والرجل الشامل كما نسميه ونرتضيه، الذي يحب الله ويُغليه، ويسمع لما قال نبيه ويعمل بما يوصيه، فهو يتصف في التعامل مع آفة الزور بالتريث في إطلاق الأحكام أو التلقي لأي كلام «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم ما لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ «النور 15 والتجرد من حظوظ النفس مع المخالف ولو كان عدوك»وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على ألا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..المائدة 8 والتحلي بالعلم الذي يجلب الخوف من الاتهام وقول الزور «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا» الأحزاب 70.
وشاهد الزور يظن أنه قد أحسن لمن شهد له، وهو في الحقيقة أساء لمن شهد له بأن سلطه على ما لا يستحق وأكله للباطل، وقد أساء لنفسه أن أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وأساء لمن شهد عليه وذلك بظلمه والاعتداء عليه، ومع الأسف كثير من الناس يشهدون عند الحكومة والمحاكم ويلبسون عليها بأن فلانا هو المستحق، كل هذا من أجل أن ينالوا شيئا من الدنيا، وهو في الحقيقة قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٢-١٢-٢٠١٥)