د.مقرن فؤاد الخياط

د.مقرن فؤاد الخياط

د.مقرن فؤاد الخياط

لو تأملت العالم حولك لوجدت أن كل شيء يحدث بسبب، فهناك قوانين لكل شيء، الحركة والمادة والفضاء والإنسان والنبات، والاتصالات الإنسانية، والنفس البشرية، والعلاقات بين الأمم، والتاريخ وانتصار الحضارة وتقدم العمران، لا شيء يحدث هكذا دون شيء أدى لحدوثه، وحكمة نعلمها أو لا نعلمها تختفي أو تظهر تحكم ما حدث، ولكن الفرق بين المستفيد من كل ذلك أو الناظر له على أنه شيء عادي هو البصر النافذ، والبصيرة الثاقبة، التي لا ترضى أن تعيش في دوامة الحياة وتنشغل بمفرداتها عن حقيقتها وأصلها والعبرة من ورائها، فالذين عرفوا القوانين عرفوا كيف يطبقونها في مجالات أخرى مشابهة لها وبهذا تسهلت الحياة وتقدمت، وجاءت الأجيال التالية بحصيلة معرفية تقودها لمزيد من القوانين التي لم تكن لتعرف لولا الجهد البشري الأول، الذي توقف لينظر في ملكوت السماوات والأرض…الإسلام دين التفكر والتأمل، فلا نكاد نمضي كثيرا في كتاب الله العزيز حتى نجد هذه الكلمات ناطقة بما يجب علينا أن نفعله، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشأ النشأة الآخرة، وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم…
إن القلب لا يتحمل ما أنتجته الحياة العصرية من لهو ولعب ورفاهية، في ظاهرها المتعة وفي باطنها العذاب، فقد فصلت الناس عن غذاء لأرواحهم لا تستغني عنه، كان يتغذى منه الأنبياء والرسل الذين فضلهم ربهم على كل عباده، فانظر إلى رسولك صلى الله عليه وسلم كيف كان يملأ به روحه وهو في تلك البيئة الملوثة بكل ألوان الجاهلية، كان يتحنث في غار حراء، يخلو بنفسه وينظر في ملكوت الله، حتى جاءه جبريل يوما وهو على تلك الحالة، لتكون أول أنوار النبوة التي أضاءت العالم بأسره، والسبب كان تلك الأيام الفريدة التي كان فيها بعيداً عن الناس، وعن كل ألوان الملاهي المنتشرة في مكة، اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم…
إننا نستخدم ما ينتجه غيرنا، وصرنا وعاء يستقبل كل ما تلقيه الأمم، ويغزونا الفضاء والصناعة والعلوم والمعارف، والمشكلة في بعدنا عن ركب الأمم لا يقتصر في تعرضنا وتعرض أجيالنا للتأثر السلبي بما تحمله تلك الحضارات، التي لا يفرق بعضها بين المبادئ، ولا يعترف بالمنهج الرباني، ولكن ذلك يؤدي أيضا إلى الخسارة التي يخسرها الجميع، نخسرها نحن، ويخسرها العالم الذي يفقد تأمل عقول نقية راقية، تربط الأرض بالسماء، وتعطي الخُلُق قيمته الكبرى، وتستلهم العلم من العليم الحكيم، الذي أعطى كل شيء خَلْقَهُ وبدأ خلق الإنسان من طين…
ففي خضم أمواج الحياة التي لا تتوقف، وأنت تستلقي على الشاطئ وتستمتع بحركة نهاية تلك الأمواج تلتصق في قدميك وتدغدغها وأنت سارح، اجلس لحظة وتأمل في الأفق البعيد ماذا يخبئ، هناك خلف المحيط من أشياء ماذا يوجد، تفكر لحظة من أين تأتي الأمواج وكيف أتت، وماذا يوجد تحتها من عجائب في البحر العميق، ولو فعلت فستعرف أن هناك عالماً آخر لا تعرفه، أكبر بكثير وأجمل من كل ما تتوقع وترى في ساعتك، لو كنت تعلم…

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-١٢-٢٠١٥)