خلال الأيام الماضية هبّت عاصفة – عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة – تنتقد وتسخر من التصريح الشهير لمعالي وزير الإسكان سابقاً، حيث تم تناقل تعليقات ومقاطع فيها روح الدعابة والنكتة والسخرية والانتقاد للوزارة لعجزها البيّن في عدم قدرتها على الإيفاء بوعودها بإنجاز 200 ألف وحدة سكنية، وتعليل السبب بقصور فهم المجتمع عن السكن، وبصرف النظر عن كون الوزير أخفق في إيصال فكرته إلى المواطنين إلا أنهم كانوا ينتظرون من الوزير ذاته الحديث بلغة الأرقام عن مشاريع وزارته في هذا الصدد تطميناً لمحتاجي السكن لا تبريراً واهياً انعكس سلباً وردة فعل غير جيدة عن الوزير ووزارته الوليدة.
ولو جئنا إلى لب الموضوع لعرفنا أن بناء الوحدات السكنية ليس فيه من الإعجاز ما يجعل الوزارة تتراخى عن أداء مهامها التي من أجلها تأسست، المسألة بكل بساطة تتمثل في التعاقد مع شركات متخصصة من أي دولة في العالم وتحديد الأراضي ومن ثم الشروع في البناء وفق مواصفات هندسية، ومتابعة يقظة من مهندسين متخصصين، لا أدري هل للمسؤولين في الوازرة مهام غير توفير المساكن للمحتاجين؟
وأظن أن مساحة المملكة – التي تقدر بأضعاف مساحة اليابان أو كوريا الجنوبية أو إنجلترا ذات العدد السكاني الكبير- قادرة على استيعاب أضعاف الرقم الذي تعتزم الوزارة تنفيذه، مما يدحض الادعاء بعدم وجود أراضٍ كافية، وفي ذات الوقت ينتظر المواطنون نتائج القرار الحاسم بوضع رسوم على الأراضي البيضاء لأن ذلك يأتي في سياق الحلول المطلوبة، إذ أن كثيراً من محتكري المساحات الواسعة سوف يسارعون في بيع أراضيهم تخلصاً من تلك الضرائب، وهذا يسهل توفر أراضٍ معروضة وبسعر مناسب.
بما أن الشيء بالشيء يذكر، ذات يوم مضى شاهدت مقطعاً مرئياً أعده وأخرجه مجموعة من أجيال جدة التطوعي عن فئة سكانية استقرت منذ أزمنة قديمة في أحد أودية أضم بتهامة باللسمر في شبه قرية تسمى (الجويني)، حيث كشف المقطع المرئي حالات البؤس الشديدة التي يعيشها سكان تلك القرية، ومن خلال وضعهم المعيشي البائس يمكن القول بأنهم يعيشون خارج المكان وخارج الزمان، أما لماذا؟ فلأنهم لا يمتلكون منازل تقيهم قيظ الصيف وبرد الشتاء، فمنازلهم إذا صح التعبير هي عبارة عن صفائح من الزنك وحطام من الخشب وإطارات السيارات المتهالكة، ويضمها القش القابل للاشتعال في أي لحظة، هذه القرية نموذج بائس، ومثلها قد شاهدها في جولة صحفية قمت بها قبل عشر سنوات في مكان يسمى «بيان» تتبع لمركز المظيلف على طريق القنفذة وجدة، نفس الحالة الماء يحفظ في صهاريج تنعدم معها النظافة، والمباني هياكل من صفائح الزنك وليس هنا شيء مما يبهج النفس سوى ملامح سكانها الطيبين الذين وجدوا أنفسهم في هذا المكان، وكنت أتساءل فقط هل فكّر معالي وزير الإسكان في زيارة مثل هذه المواقع أم الاكتفاء بالبقاء في الغرف المكيفة والاعتماد على التخطيط الهندسي لمساكن لم نرها على أرض الواقع، كنت أتمنى من معالي الوزير القيام بجولة ميدانية لهذا الموقع ولمواقع مماثلة ليرى عن قرب أي احتياج لمثل هؤلاء السكان، وإذا كانت مشاغله لا تسمح له يمكنه أن يرشح من ينبري لهذه المهمة من نوابه أو تشكيل لجان لإعطائه صورة كاملة عن القصور الذي تعانيه وزارته، وإذا كانت وزارة الإسكان تعتزم إنشاء مساكن للمواطنين أصحاب الحاجة فنأمل إدراج مثل هؤلاء في الأولويات لأنهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويتحملون ضراوة المناخ وقسوته صيفاً وشتاء، ولربما بعضهم يتساءل لِمَ هؤلاء بقوا في هذا المكان البائس، رد عليهم بأنهم وجدوا أنفسهم فيه حيث الفقر وقلة الحيلة وورثوا المكان كابراً عن كابر وليس باستطاعتهم مغادرته إلا إذا وجدوا مساكن مناسبة، وهذا الذي يفترض أن تقوم به الوزارة المسؤولة، شكراً لأجيال جدة التطوعي الذين سلطوا على هذا المكان القصي عن عالم الترفيه حيث يأكلون فتات الخبز ويستظلون بالأشجار من لهيب الشمس، شكراً لمساعدتهم الإنسانية بتقديم الغذاء من دقيق وأرز وسكر وحليب، وهذه المعونة الوقتية والله لا تكفي أبداً، نحتاج إلى التفاتة من وزارة الإسكان ليستبشر أهلوها ويفرحوا ويشعروا بالسعادة بأن هناك قلوباً رحيمة ترأف بحالتهم وتتعاطف مع احتياجاتهم ومطالبهم، هل تفعلها وزارة الإسكان والصحة والتعليم.. بتوفير السكن المريح والمدرسة التي يتعلم فيها أبناؤهم وبناتهم والمركز الصحي الذي يجدون فيه العلاج لمرضاهم.. ننتظر

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-١٢-٢٠١٥)