سمر آل موسى

انظر إلى وجوه الباسمين المتفائلين فسترى وهج الحياة وجمالها، وبهجتها، وجانبها المشرق المتفائل، وسترى العزيمة والإرادة في عليائها، وسترى الأحلام تتسابق في رياضها، والآمال تتعانق في جِنانها، وستجد في نفسك أثراً طيباً، وتحفيزاً لنشاطك وهمتك، فيُكسبوكَ طاقةً إيجابيةً عالية، وقد تتساءل كيف أصبحوا هكذا؟ فتغبطهم لسرورهم، وتعتقد ألا مكدراتٍ في حياتهم، ثم انظر إلى وجوه البائسين العابسين المُحبطين فسترى كدر الحياة وضيقها، وعناءها، وجانبها المظلم المعتم، وسترى الدجى قد ساد، والحزن في تماد، فيصيبوك بطاقةٍ سلبيةٍ مُحبطة، وقد تُلقي بسلةِ أحلامك وأمنياتك في عمق المحيط، وتقول «عليها السلام».
فإن جالست نفسك وحاورتها أي الفريقين تتمنى أن تكون؟ فحتماً سيكون جوابك «هؤلاء السعداء»، ولكن ربما يجتاح عقلكَ سؤال مُستنكِر، «وكيف أكون مثلهم؟»، كيف وهذه الدنيا تحيطنا بمكدراتٍ كثيرة؟ لن أخبرك أن الأمر في غاية الصعوبة، أو أجعلك تظن أنه ضربٌ من مثاليةٍ وخيال، فإننا نعلم جميعاً أن ثمة أسباباً ومؤثراتٍ وأحداثاً عدة في دُنيانا تلك تحملنا إلى الفرح والسعادة تارةً، وتُدنينا من الحزن والكآبة تارةً أخرى، ولا تخلو هذه الدنيا من مكدراتٍ تعكر صفوها، كما لا تخلو كذلك من فُسحاتِ أملٍ تجمّل ثغرنا الباسم العنيد للاستسلام، فنحن بين هذه وتلك، ولكن الحكيم الحقيقي، الذي يعلم أن هذه الدنيا فانية زائلة، فكما قال نبينا الكريم –صلى الله عليه وسلم-:«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، ولكنه كذلك يحيا فيها بعدة مبادئ وأحدها أن «أحيا لا أعيش»، والحياة لا تعني المثالية في القول والفعل والأحوال، ولكنها تعني التفاؤل بالقادم، ونسيان الأمس، واستثمار اللحظة الحاضرة، والتصدي للأزمات والمشكلات، ومنعها من الاستيطان في قلبه، أو الاستيلاء على فكره وجسده، أو أن تمنعه من التقدم للأمام، فتجعله يجلس واجماً هائماً في التفكير فيها لا في حلّها، أو أن يبسط لسانهُ بها في المجالس فيشكو لهذا وذاك، وهم لا يملكون له أكثر من كلماتٍ مُهدئةٍ لا قيمة لها في اجتثاث مشكلته وشكواه، بينما معنى «العيش» بعيدٌ كل البعد عن معنى «الحياة»، فالعيش أقرب ما يكون لمزاولة الأحداث وتمضية الأيام برتابةٍ تامة وتكريس الجهد للبحث عن «لقمة العيش» كما يقولون.
ومن هذه المبادئ أيضاً أن يمضي متوكلاً لا متكلاً، فيجدّ ويجتهد فيما بين يديه في اللحظة الحاضرة، متفائلاً بما عند الله، محسناً الظن به، مطمئن السريرة بما قُدّر له،فلا يحزن على ماضٍ ولا يخشَ من آتٍ، فيكون كما قال الشاعر جبران: «زاهداً فيما سيأتي ناسياً ما قد مضى»، وكما قال الإمام الشافعي في أبياته: «دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ، وطب نفساً إذا حكمَ القضاءُ، وَلا تَجْزَعْ لنازلة الليالي، فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ»، فيقوده ذلك إلى الرضا واليقين في عدالة أقدار الله النافذة، والثقة في حكمته ورحمته، وأن الخير كثيراً ما يأتي متخفياً في جلباب القدر، فقد يتوهم بدايةً أنه الشر في ظاهره، ولكنه الخير الأكيد في باطنه، ويقول نبينا الكريم –صلى الله عليه وسلم-: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له»، فهو إن عمل بذلك، اطمأنت جوانبه، وارتاحت ضمائره، واستقام حاله، وطاب فكره وقلبه، فلا يحزنه ماضٍ أليم، ولا يشغله مستقبلٌ مُريبٌ، ومن مبادئه أيضاً أن يكون ذا بصيرةٍ وتفكرٍ وتأملٍ في سنن الكون، فيعلم أن الأمل لا يولد إلا من رحم الألم، وأن الفرح ينسلت من غِمد الحُزن، وأن الفرج يغزل رداءه من ثوب الضيق، وأن العسر يأتي مع اليسر، كما وَلَجَ النهار في الليل.
وليست تلك هي المبادئ فقط فحتماً لا يكفيها مداد القلم ولكنني سأختتم بنصحي ونصحك أيها القارئ الكريم، أن نتسلح دوماً وأبداً بالإيمان والتفاؤل والابتسامة الصادقة والرضا، وكوننا من «هؤلاء السعداء» سيجعلنا نبث روح البهجة والمحبة والعزيمة والتحفيز فيمن حولنا فإننا لا نعلم أي القلوب الحزينة ستكون ابتساماتنا لها صيباً نافعاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٨-١٢-٢٠١٥)