عنود صالح بستان العنزي

الساعة الخامسة صباحاً.. يرن المنبه معلناً إشراقة يوم جديد.. تنهض أم سالم نشيطةً رغم الثقل الكبير لصعوبات الحياة الملقاةِ على كاهلها، توقظ أربعة أولاد وثلاث بنات .
ينهض الأولاد بخفة للوضوء من أجل صلاة الفجر إلا عمر، ينتظر أخته الكبرى سارة لتقدم له المساعدة فالمشي صعب عليه بسبب إعاقة في قدميه، وبعد أداء صلاة الفجر التي تحرص عليها كثيراً أم سالم، يتجهز الأولاد للذهاب إلى المدرسة، كلٌّ منهم ينتظر الباص الخاص به، لأن الأب منفصل عن الأم، أبو سالم الذي طبّق حقه الشرعي في الزواج من ثانية؛ هجر أم سالم منذ ثلاث سنوات وترك لها مسؤولية الرعاية والعناية بالأبناء، ولكنه بعد مرور سنتين ونصف السنة من الانفصال توقف أبو سالم عن دفع أجرة البيت لزوجته الأولى أم سالم، ولكنه استمر بدفع نفقات أولاده المتزايدة ورفض معالجة ابنه عمر، الذي يحتاج إلى عمليتين جراحيتين، اللتين تحتاجان مبلغا غير قليل، أم سالم كانت تدَّخر من هذا المبلغ القليل لتسدد إيجار البيت، فكانت تحرم نفسها من كثير من الحاجات الضرورية وغير الضرورية وتتصرف بباقي المبلغ بما يجعلها وأولادها السبعة على قيد الحياة وتأمين بعض مستلزماتهم الضرورية، ولكن المشكلة لم تقف عند إيجار البيت؛ فالباص الذي ينقل سالما وواحدا من إخوته إلى المدرسة قد أنذرها بالتوقف عن إيصالهما لعدم تسديد ما يستحق عليهما، سارة التي كانت تساعد أخاها عمر صباحاً هي بحاجة اليوم لمن يعينها، بعد أن أُصيبت بمرض التهاب السحايا الذي سبب لها عدم القدرة على التركيز والدوار، وخاصةً صباحاً.. زاد الأمر سوءا على أم سالم بعد أن صارت كل المهام في البيت على عاتقها، ولكنها لم تتألم لبذلها مجهوداً أكبر، وجهوداً جبارةً تَشُقُ على الرِّجال، إنما ألمها كان على مرض عمر وسارة وتأسيس مستقبل جيد للجميع، لم تَمَل ولم تَكَل بل كُلُ ذلك كان يزيد من عزيمَتِها وإصرارها على تربيَةِ أولادِها تربيةً صالِحة، صادقين مع ربهم، يؤدون ما عَليهِم مِن واجِباتٍ دينيةٍ ودنيوية، وأم سالم التي كانَت تزيدُ مِنْ صلاتِها وتُلِحُ في دعائها مازالت صابِرة على ما أصابها وقنوعةً بِما قَدّرَ اللهُ عليها بعد تخلي زوجها ومعظم أهلِها وأقارِبِها، كانت واثِقةً مِنْ رعايَةِ الله لها ولم تقنط من رحمته.
نايف الذي اتصل بصديقه سالم ليسأله عن سبب غيابه لم يقتنع بما قاله سالم، لأنه يعلم سوء حالِ بيتِ سالم ويعرف حقيقة الوضع فقام بسرد القصة على والده الذي يشغل منصب رئيس الشؤون الإدارية في أحد المستشفيات بالبلد، أبو نايف أول ما قام به هو تسديد مستحقات الباص ثم طلب من زوجته أن تقوم بزيارة أم سالم وتطّلع على حالِها وتخبرها بأن تصطحب عمر وسارة إلى المستشفى الذي يعمل فيه زوجها للاطلاع على حالهما بالتفصيل، وتأمين ما يلزم لعلاجهما، تنهض أم سالم في اليوم التالي وقد سالت على وجنتيها دمعات اختلطت فيها مشاعر الألم مع مرارة الأيام التي تعيشها ومشاعر فرح برحمة الله لها، تفاؤلاً بقدرٍ أجمل ترسمه في خيالها، وبالفعل قامت هي باصطحاب ولديها إلى المستشفى حيث ينتظرها أبو نايف وزوجته، ترافق الزوجة أم سالم ليقوم ذلك الرجل الشهم الكريم بكل ما يستطيعه مستخدماً مكانته وعلاقاته الطيبة مع الأطباء ليزف لأم سالم أولى البشائر حول توفر العلاج مجاناً لمرض سارة، ووجود من يتكفل بإجراءات ومستلزمات العمليات المطلوبة لابنها عمر، تتوقف أم سالم عن الكلام برهة تريد أن تشكر الرجل ولكنها لاتستطيع الكلام فالغصّة حجبت صوتها فما استطاعت إلا أن تذهب إلى غرفة انتظار النساء لتطيل السجود شاكرةً لربها على ما أكرمها ورأف بها. ويبدأ أطفالها بالعلاج من سارة التي أخذت تتماثل للشفاء بإذن الله، وسالم الذي يحب الفن والرسم ظَل مرافِقاً أخاه عُمَر فترةَ الثلاثينَ يوماً بعدَ العمليةِ فَوجَدَ الفُرصة سانِحةً ليستمرَ برَسمِ اللوحاتِ الفنيةِ الساحرةِ وخاصةً بعدَ أن أمّن لهُ أبوسُعود الذي كان نزيلاً معهما في نفس الغرفة وأُعجِبَ بِرَسمِ سالم كُل ما يحتاجه من أقلام وألوان وأوراق، ليحمل سالم رسوماته إلى مدرس الفنية الذي فوجئ بإبداع سالم، وطلب منه أن يعمل لصالح مؤسسة فنية تقدِمُ لهُ أجراً ممتازاً لقاء رسوماته ليعود سالم إلى أُمه وقد امتزجت مشاعره بالفرح والمسؤولية والرجولة ليقول لها أُمي حبيبتي لقد أصبحت رجلاً وبإمكانكِ الاعتماد علي فأنا سأتكفل بإيجار المنزل ومصروف إخوتي
فعلاً هذه هي الدنيا لاتخلو من الطيبين الكرماء وأهل الخير لقد عانيتِ وشقيتِ وتلوعتِ يا أم سالم ولكنك صبرت وأحسنتِ تربيةَ أولادك على البر والصدق والإيمان فأكرمك الله وأعطاكِ مادعوتِه وجعلَ الأمن والطمأنينة في بيتك فهو الذي قال:(وبَشِرِ المؤمِنين بأنَ لهم مِنْ الله فَضلاً كبيراً) ( سورة الأحزاب الآية 47).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٨-١٢-٢٠١٥)