نوير الهاجري

استغلال الطاقات، وابتكار الاختراعات، وتطويرها، واستغلال الموارد بصورة صحيحة لا تكون إلا بالاكتناز السليم، والاستفادة الحقَّة منها بكل «مساومة وعدل»، وكيف أن المردود الناتج من هذا العمل سيُضاعف من أفضلية المورد، أو الطاقة. إن المضمون الداخلي، الذي تبحث عنه «جميع الأشياء»، والبشر أنفسهم، يكمن في تلك الطاقات المنتشرة، المولَّدة من الله تعالى، أو من البشر أنفسهم، أو تُبعث من باب التأمل في الكون الفسيح، وزواياه الواسعة. جميعنا نسعى إلى سدّ النواقص، وإغلاق الثغرات في أنفسنا، أو في علاقاتنا، أو حتى في حياتنا الممتدة بشكل عام، وعالمنا العظيم. لقد خُلق الإنسان وهو مهيَّأ للقيام بالخطأ، إلا أنه أيضاً حريص على الحق، باحث عنه، يرجو تحقيقه. ومفهوم الحق الرحب يختلف من شخصٍ لآخر، بل إن القدرات، والاحتياجات، والرغبات، والانفعالات، هي الأخرى أيضاً تختلف كفَّتها من شخصٍ لآخر، وتلعب بالموازين كيفما شاءت.
الاستجابة للدوافع، وإشباع الرغبات، وسد الثغرات والنواقص، هي من الأمور الطبيعية التي جُبِلَ عليه كل إنسان صحيح حتى يستمر في حياته بالصورة السليمة الكاملة، أو الطبيعية على أقل تقدير. والحياة الطبيعية هي، التي «تدب» بالفرد وسط عدد من الجماعات فلا يمكن للإنسان، وإن ظن ذلك متاحاً له، أن يعيش لوحده في أي فترة من العمر كانت، فالإنسان يحتاج إلى بني جنسه من حوله ليعلم حقاً كيف يعيش. أثر الجماعة على الفرد لا يقارن بأثر الفرد بحد ذاته عليها أبداً، فالفرد وإن كان يحمل من الرسالة شيئاً عظيماً، ومن البرهان شيئاً أكيداً، إلا أنه قد يعجز، في الغالب، أن يؤثر في جماعة من الناس مع اختلاف أعمارهم وأعراقهم بالصورة التي يشاء ويريد، خصوصاً إن لم يحصل أي نوع من الاستجابة معه من قِبلهم، فدون اقتناعهم، وهم الفئة المستهدفة في نظره، كأنه فشل، بل وتلاشى كل ما أراده، واجتهد لتحقيقه. الإنسان يحتاج دوماً إلى الفرص لكي يثبت نفسه، ويقدم ما عنده، ويُظهر ما يجول في نفسه، وما يثور في أعماق جوهره، وما يحوم وسط أفكاره وتخيلاته، ويبرز قدراته الكبيرة، ومميزاته الفريدة.
لكل فرد على هذه الأرض الحق في أخذ الفرص، والإنصات إليه، ومنحه المساحة الكافية، التي يثبت عبرها نفسه، ويركز أهدافه وسطها، فيغرسها، ويزيد فيها، وينمِّيها كيفما يشاء. وعلى الجماعات واجب الإنصات إليه، والصبر عليه، وإشعال ضوء حماسته حينما تنطفئ، وتجديد روح الأمل في داخله حينما تحتضر، وتعزيز ما فيه من طاقة وقدرة عالية، وتلك الطاقات هي: الإيجابية، هي الإرادة، هي التعزيز، هي الفرص المعطاءة، والثقة المهداة للفرد بكل حُبٍّ، ورجاء بالعمل الدؤوب الصالح له، ولأمثاله من البشر الساعين دوماً نحو الإصلاح، والإعمار، والإنجاز.
دون تعزيز وقابلية لن تظهر أفكار، واختراعات جديدة، وبالعمل عليهما ستنهض الأمة، وتتطور بشبابها الطموح، الذي لا ينتظر إلا لفتة ثقة وأمل من مجتمعاتهم السامية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٩-١٢-٢٠١٥)