أ.د. محمد خليفة التميمي

أ.د. محمد خليفة التميمي

التقنية اليوم قوة هائلة استطاعت أن تدخل جميع المجالات أيا كانت تلك المجالات سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو طبية أو إعلامية أو علمية أو غير ذلك من المجالات،
ولكن أعظم المجالات التي ولدتها التقنية في أقل من ثلاثة عقود من الزمن هي تقنية الإنترنت التي ولدت عوالم لم تكن معهودة أو معروفة من قبل، وأصبحت في تأثير قوتها لا تقاربها قوة أخرى لا عسكرية ولا اقتصادية ولا سياسية، وهي السلاح الذي لا تستطيع أن ترده منظومات الدفاع الجوي ولا الأساطيل البحرية ولا الجيوش البرية، وهي بمنزلة الصاروخ العابر للقارات.
والأمر الأهم هو ما فرضته تقنية الإنترنت من إنشاء عوالم افتراضية يمكنك من خلالها التواصل مع العالم الخارجي مع كسر حواجز الزمان والمكان والإمكانات، فانقلب الحال الذي كان عليه الوضع من قبل في السنوات الخمس الماضية حيث تغيرت كثير من الطرق والأساليب التي كان يتوجب معها أن تقوم بكثير من التجهيزات المكانية والبشرية فضلاً عن الكلف المالية في حال الرغبة في القيام بأي عمل من خلال شبكة الإنترنت.
أما اليوم ومن خلال المنصات المتنوعة قامت عوالم متعددة فأصبحنا نسمع بالعملة الافتراضية والأسواق الافتراضية والمعامل الافتراضية والجامعات الافتراضية وكل ما بخطر ببالك مما هو موجود على أرض الواقع من أمور خدمية سواء على المستوى الفردي أم المؤسسي.
فمن بيتك تستطيع أن تقيم قناة أو موقعاً أو مدونة أو صفحة تواصل دون أن تتكلف مالاً، بل إنها ولدت مفهوما جديداً ومختلفاً عن الواقع الذي كان مفهوماً قبل عقد من الزمن فمواقع تواصل اجتماعي بشتى مسمياتها فرضت وجودها وأصبحت مؤثرة بشكل مباشر وكبير على الحدث ونقله بصورة سريعة ومباشرة.
وتستطيع أن تقيم مركزاً بحثياً بالتعاون مع بعض الباحثين، وأن تعد مجلة علمية أو مدونة أو غير ذلك من المشاريع العلمية والبحثية والدعوية أو مكتبة رقمية، وكل ذلك في عالم يطلق عليه مسمى العالم الافتراضي الذي فرض نفسه حتى على صفحات صحف فأصبحت إلكترونية بعد أن كانت مجرد ورقية، وقنوات إعلام تبث عبر الشبكة العنكبوتية بعد أن كانت تبث فقط عن طريق الأقمار الصناعية، بل وأسهم في إدارة المصانع والموانئ عن بعد وكثير كثير من الصناعات.
وفي مجال ما يسمى الحكومة الإلكترونية قطعت التقنية أشواطاً كبيرة حتى أصبح لكل حكومة دولة رقم في خارطة العالم تنافس فيه بقية الدول.
وإذا ما أمعنا النظر في واقع حالنا مع هذه العوالم الافتراضية وجدنا أن قطاع البنوك أكثر القطاعات استفادة وتسخيراً للتقنية واستطاعت معه أن ترتبط البنوك ببقية العالم عبر أسس وقواعد سهلت ويسرت التعاملات البنكية وتحويلها إلى عالم افتراضي لا يتجاوز أنامل الأصابع.
ونرى الوزارات والهيئات الواحدة تلو الأخرى تدخل هذا العالم طواعية أو مكرهة وبدرجات متفاوتة، بل وترتبط ببعضها بعضاً بما يؤدي في نهاية المطاف إلى حوكمة إجراءاتها وتسهيل خدماتها، ومع ذلك تظل بعض تلك الوزارات لا تزال تغرد خارج السرب وتتمنع عن اللحاق بركب العالم الافتراضي، حيث سرعة الإنجاز والشفافية العالية وجودة العمل والتقدم التقني، وما بالنا إذا كان قطاع التعليم وهو أكبر قطاعات الدولة بشرياً، الذي كان يتوجب عليه أن يكون سباقاً في هذا الميدان نراه مع الأسف من أكثر الجهات تأخراً بل ومقاومة للدخول في هذا العالم الافتراضي من خلال التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد ومن خلال أتمتة إجراءاته ومن خلال فرض معايير الجودة على معطياته.
وإذا كنا نسمع عن التوجه الذي تحمله الدولة بجعل الوزارات عبارة عن لوحة مفاتيح يتم من خلالها قياس أداء قطاعات الدولة وجعلها في بوتقة واحدة، فلا شك أننا سنكون أمام فجوة كبيرة تسببت بها بعض الوزارات والهيئات لعدم لحاقها بعالم التقنية الافتراضي، وحينها نقول «ولات ساعة مندم».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٩-١٢-٢٠١٥)