د. موسى آل زعلة  -  استشاري الطب النفسي

د. موسى آل زعلة – استشاري الطب النفسي

لقد خلق الله الإنسان فأحسن خلقه، وكونه من عنصرين لا ينفك أحدهما عن الآخر، بل يؤثر ويتأثر كل منهما بالآخر وهما (النفس والجسد) فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى أنه إذا أصيب جزء من الجسد تأثر له الجسد كله مع النفس كما في الحديث (… كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) فكيف إذا تأثر أحد العنصرين الأساسيين (النفس أو الجسد) فلا شك أن العنصر الآخر سيستجيب له ويتفاعل معه بصورة كبيرة.

والأدلة العلمية الطبية التي تؤيد هذه العلاقة وتوضحها كثيرة جداً فهناك عديد من الأبحاث والدراسات العلمية التي اهتمت بهذا الجانب اهتماماً كبيراً، بل إن بعض المجلات العلمية تخصصت فقط في الأبحاث التي تدرس هذه العلاقة بين النفس والجسد.. وسأحاول في السطور القادمة أن أذكر بعض الحقائق العلمية التي أظهرتها كثير من الدراسات الطبية… ومن ذلك ما يحصل من تغيرات جسدية وفسيولوجية نتيجة لبعض الضغوط النفسية، فقد أظهرت الدراسات والأبحاث العلمية أن تعرض الإنسان لبعض الضغوط النفسية يضعف جهاز المناعة لديه، ويؤثر سلباً على الخلايا المناعية، فيصبح هذا الإنسان عرضة للإصابة بالالتهابات والأمراض المعدية بسهولة أكثر من غيره؛ كما أظهرت دراسات أخرى أن اعتدال الحالة النفسية والمزاجية للإنسان يؤثر بصورة إيجابية على جهاز المناعة ويجعله قادراً -بإذن الله- على مقاومة كثير من الأمراض العضوية. وصورة أخرى تظهر قوة العلاقة بين النفس والجسد أظهرتها أيضاً بعض الدراسات الطبية وهي أن التعرض للضغوط النفسية يحفز بعض الغدد لتفرز بعض المواد بصورة أكثر من المعدل الطبيعي مما قد يسبب أضراراً كثيرة للجسد: كزيادة نبضات القلب وارتفاع ضغط الدم وسرعة معدل التنفس وزيادة استهلاك الجسم للأوكسجين…الضغوط النفسية -وخاصة المزمنة والمتكررة أو المفاجئة الشديدة- قد تسبب تصلب الشرايين وضغط الدم وقرحة المعدة وغيرها من الأمراض العضوية… وأحيانا إذا كانت الضغوط النفسية فوق قدرة الإنسان على تحملها فإنها قد تسبب صدمة عصبية شديدة أو نوبة قلبية حادة (وهذا موجود في حياة الناس وملحوظ). وتزداد نسبة الوفاة لدى المصابين بجلطات القلب لدى المرضى المصابين بالاكتئاب أكثر من المرضى الذين ليس لديهم اكتئاب حيث إن أكثر من ربع المرضى المنومين في الأقسام الباطنية لديهم أحد الاضطرابات النفسية. و80 % من المرضى الذين لديهم اكتئاب يشتكون من آلام جسدية بسبب الاكتئاب والمرضى الذين يشتكون من عدد (9-6) أعراض جسدية فإن نسبة 70-50 % منهم قد يكون عانى من اكتئاب أو قلق نفسي.
والشخصيات القلقة أكثر عرضة للإصابة ببعض الأمراض العضوية مثل: أمراض القلب وقرحة المعدة وأمراض القولون العصبي وفي إحدى الدراسات وُجِد أن نصف النساء اللاتي حصل لديهن إجهاض مفاجئ كن يعانين من الاكتئاب النفسي. وما ذكرته هنا مجرد أمثلة من نتائج الدراسات الطبية لتأكيد أهمية العلاقة بين (النفس والجسد)…ولذا فنستطيع القول بأن العلاقة بين الاضطرابات النفسية والاضطرابات الجسدية (العضوية) إما أن تكون العوامل النفسية سبباً في ظهور المرض العضوي أو في زيادة شدته،كما هو الحال في بعض الأمراض العضوية، مثل: قرحة المعدة والاثني عشر وارتفاع ضغط الدم، والصداع النصفي وبعض الأمراض الجلدية وغيرها، فمثل هذه المشكلات الصحية وغيرها قد تظهر ابتداءً أو تتضاعف وتزداد أعراضها مع وجود الضغوط النفسية أو في حالة بعض أعراض الاكتئاب أو القلق والتوتر النفسي. أو أن تكون بعض الأمراض العضوية سبباً للمرض النفسي:
وذلك كما في حالة اضطراب نشاط الغدة الدرقية حيث يسبب نقص نشاط الغدة الدرقية الاكتئاب النفسي وتؤدي زيادة النشاط إلى ظهور حالات القلق النفسي وغيرها من الأمثلة. أو أن تكون الأعراض الجسدية جزءاً من الاضطرابات النفسية:
فمثلاً الخفقان، أو رعشة اليدين أو الشعور بالدوخة والتنميل والإسهال أو الإمساك وأحياناً صعوبة البلع وجفاف الفم وأحياناً حرارة داخلية في الجسم كل هذه الأعراض قد تكون -في بعض الحالات- تعبيراً جسدياً عن القلق،كما قد تكون الآلام المتعددة والصداع هي تعبيرات جسدية عن حالة الاكتئاب النفسي أحياناً.
ومن أشهر الأمثلة على هذا النوع: مرض القولون العصبي: فهو في حالات كثيرة جداً إنما هو تعبير جسدي عن القلق النفسي. أو أن تكون الأعراض النفسية ثانوية للمرض العضوي، وخاصة الأمراض المزمنة مثل: السكري، ارتفاع ضغط الدم، أو الأورام وغيرها، مما ينتج عن الإصابة بها أحياناً بعض القلق والتوتر وشعور باليأس والإحباط لدى بعض المرضى. ومما سبق يتضح لنا أن الجسد له أمراضه وعلله وأن النفس لها أمراضها واضطراباتها وأن كلاً منهما يؤثر في الآخر، فعلينا أن ننظر لهذا الإنسان كما خلقه الله (نفس وجسد) في وحدة متماسكة ومترابطة لا ينفك أحدهما عن الآخر.. ولذلك فعند إصابة الإنسان ببعض الأعراض العضوية التي لا يظهر لها أي سبب في التحاليل والفحوصات فعلى الطبيب ألا ينسى الجانب النفسي وعلى المريض أيضاً أن يعرض نفسه على الطبيب النفسي لتقييم حالته فقد يكون سبب هذه الأعراض العضوية بعض الاضطرابات النفسية التي لها علاجات دوائية آمنة ومفيدة ولا تسبب إدماناً ولا تعوداً بل لها مفعول كبير في مثل هذه الحالات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦٧) صفحة (١٠) بتاريخ (١٠-١٢-٢٠١٥)