عنود صالح بستان العنزي

باريس الجميلة بشوارعها المتألقة بحدائقها الساحرة بوردها وأزهارها الملونة المتناثرة على أطراف الطرقات والنوافذ الرومانسية، وردها الممتزج مع الأعشاب الخضراء مشكلًا لوحة فنية طبيعية ترسمها أشعة شمس هادئة ويصممها مناخ جميل معتدل تتساقط فيه أوراق الحب على شوارعها المكتظة بالعشاق يتبارز فيها الشبان في وسامتهم ولطافتهم وتتألق الفتيات في أناقتهن وملامحهن الفاتنة ونظراتهن القاتلة وكأنهن أجمل ما خلق من أسماك الزينة التي تستهوي الأنظار وتقلب الأفكار وتجعل الشبان يتسابقون في الاصطياد، فحتى مشعل أصبح صيادا ماهرا يتفنن في مغازلة وملاطفة هذه الأسماك الفتيات ليتنقل بينهن كما تتنقل الفراشة بين الأزهار في حدائق الربيع أتسألون من هو مشعل؟ مشعل هو ذلك الشاب الوسيم الجميل الذي كان يحصل في كل فصل دراسي على مجموعة من شهادات التميز والتفوق في كل المواد الدراسية والتعليمية حتى جوائز الطالب المثالي والأخلاقي كانت تلازمه منذ الصغر ولا أنسى أبداً جائزة حفظ القرآن الكريم التي حصل عليها عندما حفظ عشرين جزءا في الصف الثالث المتوسط هو ذلك الشاب الذي حصل على بعثة علمية إلى فرنسا بعد تفوقه الجامعي عندما أخبرتني والدتي أن أهل مشعل جاءوا يطلبونني خطيبة له.. لم أتردد لحظة في الموافقة عليه فهو فارس أحلام كل فتاة في بلدي فهذا ما أتمناه. شاب وسيم جميل متفوق يعلو على رأسه تاج من الأخلاق، أصر أبو مشعل على الخطوبة قبل سفره ليضمن ارتباطه الكامل بوطنه وألا تبعده أو تحرفه أو تمنعه مغريات الحياة من العودة إلى وطنه. أربعة أشهر كانت هي الأجمل في حياتي والأكثر استقرارا بعد أن أكملت دراستي وارتبطت بمشعل وتلتها سنة من الشوق والانتظار هي أيام وساعات صعبة وطويلة أمضيتها انتظر عودة خاطبي وعندما اقترب موعد العودة كانت الساعات تمر مسرعة والأيام تتعاقب في لحظات وأنا كتلة من المشاعر المختلطة بين مرارة الانتظار وهمس الحنين وضنين الشوق وأمل اللقاء وإذا بأميري يطرق بابنا معلنا عودته لوطنه وعودته لي ولعالمه الطبيعي. وبدأنا نتبادل ونتجاذب أطراف الأحاديث ومرت بضعة أيام كنت مصرة فيها وملحة على معرفة سر وأمر هام ذكره لي ولكنه لم يفصح بشيء عنه بل كان يكتفي بالقول سأخبرك بأمر مهم حال عودتي. هي لحظة هي دقيقة هي ساعة لا أدري ماذا أقول لكن كارثة وزلزالاً حل بي هي صدمة هزت مشاعري وشتتت أفكاري وجعلتني كسمكة تائهة تتلاطمها الأمواج لا تدري أين سيأخذها التيار. قال لي إنه لم يتزوج من فرنسية فهو يحبني وقلبه متعلق بي وهو إذ يخبرني بالحقيقة لشدة حبه لي، هي حقيقة لم يخبرها لأحد ولو أراد الصمت عنها لفعل، ولكن حبه لي وأخلاقه التي أيقظها هواء بلدي الأصيل ونفحاته الإيمانية. أخبرني ويا ليته لم يخبرني بأنه صعق بعد قراءة ورقة تركتها له إحدى الفتيات الحسناوات اللواتي اعتدن زيارته في منزله. هي ورقة قرأها صباحا بعد أن غادرت ضيفته التي كتبت فيها «أهلا بك ضيفا جديدا في عالم الإيدز» لم أتمالك أعصابي لا أعرف ما حل بي عندها وماذا جرى ولكن كل ما أذكره أني صحوت بعدها لأجد نفسي في غرفة امتلأت بأقاربنا وأناس يرتدون الزي الأخضر فعرفت أنني في المستشفى ولكني كنت عاجزة عن الكلام قادرة فقط على الاستماع والبكاء، لا يحضرني إلا حزن وصمت الصديقة مريم البتول.
لم يكن هذا الخنجر الوحيد الذي غرز في خاصرتي، بل إن جرحا آخر أصابني لا أعلم كيف يندمل، خطيبي الذي لا يريدني أن أخبر أحدا بالحقيقة، طلب مني أن أفسخ الخطوبة لأسباب أختلقها أنا كي أظهر أمام الناس أنني أنا من رفضته ولا أريد الاستمرار معه وذلك حفظا لكرامتي ومشاعري وأنه أتى من أجل ذلك وفقط، كي لا يقال إنه هاجر وتخلى عني..
باريس!! لن أسامحك.. رغم أنني صابرة راضية بما قدره الله لي.
لن أنسى أبدا أنك قتلت أجمل أحلامي. وطني يا أغلى الأوطان… سأظل عاشقة لك بكل ما فيك. لجفافك، لحرك، لشوارعك النظيفة من نفايات البشر، وعاهات الأنوثة. لنسائك الأميرات في أخلاقهن، الملكات في لباسهن، لمساجدك العامرة، لهمساتك الدافئة.
الخلاصة:
هذه القصة روتها لي إحدى المثقفات في محيطنا العربي بطريقتها البدائية وأحببت أن أنقلها لكم بكل ما فيها من أحداث قد تكون مؤلمة ولكنها حدثت بالفعل من حولنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٧٤) صفحة (١٠) بتاريخ (١٧-١٢-٢٠١٥)