رائد العسكر

رائد العسكر

تعيش الدول الكبرى حالة استثنائية ومتطورة في أساليب التوسع السياسي والاقتصادي، ومن تلك الدول الصين. الصين البالغ عدد سكانها أكثر من مليار وثلاثمائة وثمانين مليوناً ويبلغ عدد قواتها المسلحة أكثر من 2.3 مليون موزعين على القطاعات العسكرية ويحكم البلاد الحزب الشيوعي وهو حكم الحزب الواحد ونظراً للتطور الصناعي والإلكتروني الهائل لدى الصين باتت تمتلك ترسانة ضخمة جداً من الأسلحة المتطورة في جميع المجالات وتتحرك السياسة الصينية العسكرية بمحاذاة التطور الاقتصادي، فهي ثاني اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية وهي عضو في مجموعة العشرين وعضو دائم في مجلس الأمن ولاشك أن لها أجندة وسياسات توسعية في منطقة الشرق الأوسط لما لها من أهمية اقتصادية على مستوى العالم، والدول التوسعية عامة تسير على فكر نظرية الأدميرال الأمريكي ماهان الذي لخص السيطرة على العالم بقوله «من يسيطر على البحر يسيطر على العالم»، ويقصد بالسيطرة هنا ليست العسكرية فقط، وإنما الاقتصادية أيضا ولهذا نجد أهمية انعقاد القمة الإفريقية الصينية التي حددت الصين من أجلها دعماً للقارة الإفريقية بمقدار 60 بليون دولار على شكل قروض واتفاقها مع دولة جيبوتي بامتلاك قاعدة بحرية في جيبوتي جنباً إلى جنب الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا الأمر الذي يصب ولا شك في رأيي إلى خطط توسعية بالمنطقة رغم تصريحات المسؤولين الجيبوتيين بعدم ذلك، حيث أعلن وزير الخارجية الجيبوتي محمود علي يوسف أن الصين ستمتلك قاعدة «بحرية لوجيستية» في جيبوتي «مبدئياً قبل نهاية 2017». وقال يوسف على هامش القمة الإفريقية – الصينية في جوهانسبورغ، إن «المفاوضات مع الصين انتهت»، موضحاً أنها «قاعدة تهدف إلى مكافحة القرصنة وضمان أمن مضيق باب المندب، خصوصاً ضمان أمن السفن الصينية التي تمر عبر هذا المضيق». وقامت البحرية العسكرية الصينية منذ نهاية 2008 بنحو عشرين مهمة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن، في إطار الجهود لمكافحة القرصنة. لكنها واجهت «صعوبات في محطات الرسو وإعادة التموين». وقال وزير الخارجية الجيبوتي إن الصين «حليف استراتيجي إضافي» لبلده إلى جانب الفرنسيين والأمريكيين الذين يملكون قواعد كبيرة في هذا البلد الصغير في القرن الإفريقي، موضحاً أن الرئيس الصيني شي جينبينغ أجرى محادثات على هامش القمة مع نظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة.
وأضاف وزير الخارجية الجيبوتي أن إعلان الصين الجمعة منح إفريقيا ستين بليون دولار في شكل قروض يعني أن الصين تملأ فراغاً لأن الدول التي كان من مسؤوليتها تعويض هذا النقص لم تقم بذلك. وأضاف أن الأفارقة انتظروا طويلاً أن يأتي الأوروبيون وآخرون لمساعدتهم في عملية التنمية، والصين هي التي قامت بهذا العمل. وأفهم من ذلك تخلي كثير من الدول التي يجب أن يكون لها مصالح في المنطقة الإفريقية وأن المعيار الإفريقي في رسم علاقات استراتيجية مع القوى الأخرى هو المعيار الاقتصادي والاقتصادي فقط.
فهل ما قامت به جيبوتي هو قرع الجرس للقوى الأخرى للمسارعة والحفاظ على المناطق والمنافذ والممرات الاستراتيجية الذي يفضي بالضرورة لسيطرة اقتصادية وأمنية تخدم كل من يطل على تلك المنافذ والبحار لاسيما أن جيبوتي عضو في جامعة الدول العربية التي أظن أنها هي المعنية في تصريح وزير خارجية جيبوتي والله أعلم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٧٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-١٢-٢٠١٥)