رشا جبران

في إحدى المرات ذهبت إلى مناسبة تخص أهل صديقتي فصعقت عندما رأيتها، ولكن سرعان ما فرحت وقلت لربما اهتدت؟ لم أستطع أن أمسك لساني تلك الليلة فقلت لها «ما شاء الله لم أعرفك تغير نمط لبسك ومكياجك»، ثم سألتها بنية صادقة هل هذا اتجاه جديد في الموضة؟! خصوصا أنها من محبي الموضة وكل ما يخصها.صمتت طويلا ثم قالت لا لبست هذه الملابس من أجل كلام الناس!! أمي أجبرتني. تعجبت كثيراً من كلماتها فهي ليست الفتاة الأولى ولن تكون الأخيره! كيف تلبس الدين والاحتشام والحياء من أجل كلمات تلفظها أفواه أغلبها لا تعرف من الدين شيئاً. نعم لقد ارتدت الستر وتركت التبرج والتزين من أجلهم أما أمام نفسها وأمام صديقتها فهي عارية من كل هذا. الدين ليس عباءة نرتديها ونخلعها كيفما نشاء! الدين علاقة روحية بين العبد وربه وليس للبشر أي علاقة بما يحدث بينهما. فإن لم تلبسي الحجاب والرداء الطويل وإن لم تصلي وتتصدقي من أجل الله فلا تفعلي شيئاً من أجل البشر.
الدين علاقة حب وتذلل وخضوع تام لله وحده لا لغيره فهو يسكن كل حركاتك وتصرفاتك وظاهرك وباطنك وعقلك وقلبك وخطواتك خطوة خطوة، هذا هو الدين الحقيقي وليس ما نقوم به نحن. إن التدين الذي نرتديه مزيف لأنه يكون خارجيا والتدين الحقيقي ينبع من الداخل ثم يشع للخارج ويستمر معك مهما أغرتك الدنيا وما فيها ومهما ضاقت عليك الحياة.
إن من المؤسف أن يكون الدين مظهراً من مظاهر المجتمع فنؤدي فروضنا كما نؤدي باقي أعمالنا ونتابع عيون الخلق وننسى عين الخالق التي لا تغفل ولا تنام، ثم نشعر بالموت ونحن أحياء ونشعر بالضيق ونحن سعداء ونتساءل لماذا والإجابة بين يدينا؛ لأننا فارغون لا حياة بداخلنا، الحياة فقط نعيشها بجوارحنا ولا تعيشها قلوبنا لذا فنحن أموات أحياء.
أي دين هذا الذي يجعلنا نذهب للمسجد لأن والدنا يذهب؟ وأي دين هذا الذي يجعلنا نغطي وجوهنا لأن بنات العائلة كلهن يفعلن ذلك؟ وإذا خرجنا لأقرب دولة خلعنا كل ما ارتديناه؟
أفنسمي هذا دينا وتدينا! هذا يا أحبتي رياء ونفاق ولا يمت للدين بصلة، هذا تدين من أجل فلان وعلان لا من أجل الله والجنة، ولذا فإن أولئك الذين يمارسون هذا التدين فارغون تعساء ومنافقون لا يعرفون معنى الدين الحقيقي إنما نشأوا على نشأة آبائهم أو أن آباءهم هم من جروهم إلى ذلك دون علمهم فهم يحسبون أنهم يرفعون من قدرهم وهم والله في القاع.
كيف يجر الآباء أبناءهم للقاع دون علمهم! كيف والأب يموت من أجل طفله، بطرق بسيطة وصغيرة ولكن أثرها بعيد وكبير فمثلا عندما تقول الأم لابنتها ارتدي تنورة تسترك لأن كبار القبيلة سيأتون اليوم وفي اليوم التالي يأتي أصدقاء الفتاة فتلبس لباسا لا يستر وتبدي زينتها كاملة دون أن تنطق أمها. أو أن يرى الابن أباه يسهر ويدخن ويقامر مع أصدقائه وإذا ذهب إلى جماعته أو أهله لم يترك فريضة إلا أداها! هنا نحن نلقن أبناءنا ونسحبهم معنا إلى القاع دون أن نعلم فنبني جيلاً فارغاً من الدين، جيل يرى الدين كالعباءة يعلقه أغلب الأوقات ويرتديه عند الحاجة، لذا فلنعد بما أن الحياة ما زالت قائمة وبما أن السماء ما زالت مفتوحة، لنعد فلعل الله يرحمنا فمن لم تدركه من الله عناية ليس لغفلته نهاية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٧٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-١٢-٢٠١٥)