حامد أحمد المالكي

حامد أحمد المالكي

تغيرات كبيرة ومتسارعة يمر بها مجتمعنا بكل فئاته، مع ازدياد سرعة رياح إعصار التقنية الحديثة وما تحمله من أجهزة وبرمجيات كسرت كل الحواجز الجغرافية بين شعوب الأرض، وكذا الحواجز المادية بين الأفراد، حتى أصبح الطفل الصغير يحمل العالم في يده، يتنقل بيسر وسهولة بين قنوات التواصل الاجتماعي المتعددة التي لا نستطيع تتبع تطوراتها، أو الإلمام بمحتواها المتنامي عبر ما يرمي به إنسان هذا العصر من بيانات ومعلومات وأفكار وصور ومقاطع فيديو تتحدث بكل لغات العالم، وتحمل خليطاً من الثقافات التي تستند إلى أهداف متعددة، علمها من علم، وجهلها من جهل، ويمكن تشبيه ما يحدث في هذه الثورة المعلوماتية بما يحدث عند ملامسة الأعاصير اليابسة من رياح وأمطار، فعلاوة على الأضرار التي تحدثها وما يتبعها من تغير لتضاريس الأرض وحياة البشر، فإنها تجعل الأودية تغيض بالماء الذي يختلط بغيره من مكونات الأرض، وينتقل ذلك الخليط عبر الأودية والشعاب والأنهار ليلتقي الجميع في بحار كبيرة ومحيطات شديدة الملوحة، تحتاج لكثير من عمليات التنقية والتحلية والتحسين حتى يُستفاد منها، وكذا هذه التقنية حين تصل إلينا أذرعها فلا يردها سقف ولا جدار، تتغلغل في كافة تفاصيل حياتنا، فتشاركنا المسكن والمأكل والمشرب والروحة والغدو، فتهز في الأنفس العقائد، وتغير الثقافات، وتقتلع العادات، وتبني طرقاً جديدة للتواصل والعلاقات بين البشر، ينكب حول محتواها الجميع، دون حسيب أو رقيب، وبلا تنقية ولا فلترة ولا تحسين، فلا محيطاتها تروي العطشى، ولا هم يتوقفون عن الشرب؛ الأمر الذي يخشى من تبعاته على الأجيال القادمة، بُعداً عن عبادة الله التي خُلقنا من أجلها، وبها نحيا حياة آمنة مطمئنة، يُجبى رزقنا رغداً من كل مكان، ينقل الماء إلى قمم الجبال وأعماق الصحارى لنشربه عذباً، يتدفق النفط بفضل الله ليجلب لنا الطائرات والقطارات والسفن والسيارات والأجهزة المختلفة والأدوية والأدوات الطبية والملابس وما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات، بل إننا نتمتع بما لا نحتاجه من وسائل الترفيه، ومع هذا الانغماس يخطط العدو وينفذ في مأمن، يغير العقيدة ويستبدل الفكر، ينتزع الثقة ويزرع الفتنة، ثم يدخل الفوضى إلى بلادنا، وما حدث مؤخراً من قتل وتفجير في مناطق عدة من مدن ومحافظات المملكة شاهد على خطر إعصار التقنية الذي ليس له حدود زمنية أو وجهات مكانية يتوقف عندها، الأمر الذي يستوجب البحث عن حلول عاجلة تتناسب مع حجم المخاطر، وتشمل كافة جوانب حياتنا، ويشارك فيها ذوو الاختصاص من كافة القطاعات الأمنية والتعليمية والإعلامية ومؤسسات المجتمع ذات العلاقة، على أن تتحمل الأسرة مسؤوليتها في تربية أبنائها ورعايتهم وتحصينهم ضد هذه المتغيرات.
ومع تعدد الحلول وتشعبها يقف التعليم بما يتضمنه من معايير مرنة تتسق مع هذه التغيرات وترتبط بالجوانب الدينية والوطنية والاجتماعية وتراعي العلاقات الإنسانية بين شعوب الأرض انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، حيث يعمل التعليم كوتدٍ يقوي الإيمان بالله عز وجل ويثبت العقيدة، وينمي الأخلاق الفاضلة، ويربط المتعلم بأسرته ومجتمعه ووطنه، ويفتح نوافذ التواصل على العالم، ومن هنا تأتي أهمية مراجعة معايير التعليم وإخضاعها للبحث العلمي بغرض تعرف مدى تحقيقها الأهداف التي ترمي إليها، ومواءمتها للتغيرات المستمرة من حولنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٧٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٢١-١٢-٢٠١٥)