فاطمة الحبيب

مؤامرة خبيثة استهدفت «وتر الحقيقة»، فصار العقل أسير الوهم البغيض، وصرنا بلاشك مفكرين من الدرجة الثالثة! فالغزو الفكري والثقافي من أبرز مؤامرات الحضارة المادية ضد العرب بشكل عام، والمسلمين على وجه الخصوص، حتى صارت قضايانا الجوهرية والعقائدية على محك النار، إذ أصابتها ألسنة التشويه والتشكيك.
لقد كثر الحديث عن الغزو الثقافي، وكثر معه التنظير في البحث عن وسائل وطرق التصدي له، وإيجاد جو من التحصين الثقافي للمجتمع أمام هذا الكم الهائل من الثقافات المستوردة والأفكار الشاذة، التي تتنافى وجوهر العقائد الإسلامية، وقيم الجمال العقلي.
لعل الحقيقة المرة هي أن المجتمع الإسلامي في الوقت الذي يتقوقع فيه بين جدران التبعية الثقافية، يعاني من انعدام الثقة بالذات، فيبقى في نظر نفسه أنه الأضعف في عالم الانتصارات المادية الوهمية، من هذا المنطلق فإن الضمير العربي بات لا يتجاوز كونه إرثاً عظيماً، ولغة استهلاكية، تمجِّد، و«تطبطب»، وترثي، وتندب، وتعمِّق نظرية اللامبالاة واللامسؤولية.
والأسئلة التي تطرح نفسها اليوم هي: هل سيبزغ فجرنا من «دجاه»؟ وكيف نشيع الأجواء النورانية بعد أن لطختها الأيادي السوداء؟ كيف ننتفض على هذا التحدي والغزو الكبير؟ لعله مشروع ضخم، لكنْ إن «تهجَّد قلبك» من أجل رعاية ذاتك لا تدميرها من حيث لا تشعر، فتلك خطوة من أجل الانتفاضة الثقافية الكبرى. قوالب جامدة على مقاسات غربية من صميم الغزو الثقافي، ففراغ الشباب، والتقليد الأعمى، وحب لفت النظر، وامتهان الذات العربية والروح الإسلامية لدى بعض الشباب، هي الماء العكر الذي يسقي صحراء الغزو الثقافي، وهي وسيلة مبتذلة، وترويج فاضح للفن الرخيص بما في ذلك اللباس الماجن، والصورة اللاأخلاقية، والكلمات الشيطانية، التي تستهدف إلغاء الهوية، والحضارة، والثقافة العربية الإسلامية العريقة.
وبين قراءة النظرية، وواقع التطبيق، نلمح الثقافة الإسلامية، فهي سفينة النجاة حين تتلاطم أمواج البحر في ظلمات الحياة، ومصباح الهدى حين تعترينا «عاريات الفتن»، هي ثقافة السلم والحب والإيمان والعقل الواعي، وهي الثورة الحقيقية القادرة على إكساب المجتمعات الإسلامية المناعة القوية ضد الغزو الثقافي، فالمستلهم من نهضة نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، يرى أحكم الحلول، وأنجح الومضات لقضايا الأمة والمجتمع باعتبار أنه قرآن مجسَّد صالح لكل زمن، وذلك لأن الثقافة الإسلامية الأصيلة هي ثقافة ربانية، فهي منهج سلوك، وأسس تفكير، بالنتيجة هي أرقى المبادئ الثقافية، التي تتحدى غرور الآخرين الحالمين بحياة ما وراء العقل!
إذن، فالتغيير يبدأ وينتهي بالتمسك بالثقافة الإسلامية، ثقافة النهضة والحياة، ثقافة محاربة التخلف، ثقافة التحرر من تبعية الآخر، ثقافة المسؤولية والوعي، ثقافة الحرية والصبر والصلاح، ثقافة تُنهي ما يسمَّى بمؤامرة الغزو الثقافي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨١) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٤-١٢-٢٠١٥)