رغم كل ذلك كانت بوصلة البرلمان اليوناني، وقبله البرلمان الأوروبي واضحة، مع وجود بعض الاختلافات في بعض التفاصيل، فقد قدَّم البرلمان اليوناني قبل أيام مؤشراً حقيقياً على بدء اليونان في تنويع مصادر الدخل والشروع في حالة متقدمة من الواقع الاقتصادي المأزوم

بينما ننشغل بتفتيت بلداننا، ونقوم بوأد حلم الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج باحترابات دموية عبثية، تخلِّف الكوارث والأزمات المستعصية على الحل، ونسعى إلى تشكيل دويلات على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، تضيء أثينا شعلتها الفلسطينية بقرار البرلمان اليوناني، الأقدم في العالم، الاعتراف بدولة فلسطين لتحلَّ محل السلطة الوطنية الفلسطينية.
«أفخرستو» كلمة تعني باليونانية شكراً، بينما تعني كلمة «مونامو» عزيزتي، وهاتان المفردتان بعض ما تبقَّى لي من مفردات توارت في قاع الذاكرة بعد رحيلي عن قبرص اليونانية، التي أمضيت فيها ست سنوات في الفترة من 1983 حتى 1990، إبان الغربة الطويلة عن الوطن، تعلمت فيها كلمات قليلة من اللغة اليونانية الجميلة والعميقة في مفرداتها الفلسفية، التي علَّمت العالم ألف باء الديمقراطية، لكنها تعتبر من اللغات الميتة، التي يمكن نسيانها بعد مغادرة البلد الذي ينطق بها لندرة استخدامها بعد مغادرة المكان.
كان تصويت كل الكتل النيابية في البرلمان اليوناني بنعم للاعتراف بالدولة الفلسطينية وفق قرارات الأمم المتحدة خطوة مهمة على الطريق الطويل لتحقيق الحلم الفلسطيني، وعودة اللاجئين الفلسطينيين من الشتات. هذه الأهمية تنبع من الحالة التي وصل إليها الوطن العربي الكبير وبلدانه، التي فقدت البوصلة، وضيَّعت القضية المركزية للأمة، فراحت معاول الهدم تمارس لعبتها المدمرة مفتتة الكيانات واحدة تلو الأخرى، فيما يشبه تهاوي حطب الدومينو، مجسدة كوميديا سوداء تنتظر بلداننا، وهي تتحول إلى أذرع هدم لهذه الكيانات تطبيقاً للشعار المقيت «أنا أولاً»، ليتضح أن هذا الشعار ليس إلا وهماً من سراب، يحسبه الظمآن ماءً، وجلُّ ما يفعله على الأرض هو تطبيق الشعار الآخر «هدم المعبد على مَنْ فيه».
معنوية قرار البرلمان اليوناني تكمن في أنه يأتي بالتزامن مع عمق مأساتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن السلاسل التي طوَّقت بها رقبة اليونانيين ودولتهم، لتصبح دولة مفلسة غير قادرة على دفع رواتب موظفيها، بل وتتخذ قرارات موجعة بتخفيض رواتب المتقاعدين بعد أن عصفت بها الأزمة المالية العالمية قبل سنوات قليلة خلت، وأرهقها الاتحاد الأوروبي بشروط قاسية، لتبقى في المنظومة التي تشق طريقها بصعوبة بعد أن واجه «اليورو» العملة الأوروبية الموحدة، كثيراً من الخسائر أمام عملات الكبار، وتحدياتهم، ومنافساتهم للحصول على جزء من غنائم الاقتصاد العالمي. تعاني اليونان من ديون تصل إلى أكثر من نصف تريليون يورو، وهو مبلغ فلكي لا يمكن تسديده، لكنه يشكل نسبة ضئيلة قياساً بحجم سندات الدين العالمي، التي تبلغ 20 تريليون يورو، بينما يمثل الاقتصاد اليوناني نسبة لا تزيد عن 2% من اقتصاد الاتحاد الأوروبي. هذا الوضع لاشك أنه ضاغط على الواقع السياسي اليوناني، خصوصاً مع وجود حكومة يسارية بقيادة تسيبراس، الذي لم يجد حرجاً في الدفع باستفتاء حول مسألة دفع الديون المرهقة على اليونان للاعبين الكبار في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا، وفرنسا، والبنك المركزي الأوروبي، إثر وصفة الدواء المر، التي قادتها ألمانيا للاقتصاد اليوناني، وخلَّفت مزيداً من الفقر، وانزياح كثير من الفئات نحو خط الفقر.
رغم كل ذلك، كانت بوصلة البرلمان اليوناني، وقبله البرلمان الأوروبي، واضحة مع وجود بعض الاختلافات في بعض التفاصيل، فقد قدَّم البرلمان اليوناني قبل أيام مؤشراً حقيقياً على بدء اليونان في تنويع مصادر الدخل، والشروع في حالة متقدمة من الواقع الاقتصادي المأزوم، لكنه لم يمنع هذا البلد من التصويت على قرار الاعتراف بدولة فلسطين. فلسطين التي تدافع اليوم عما تبقى من شرف الأمة بأبنائها العزَّل إلا من الثوابت الوطنية المتمسكين بها دفاعاً عن شرف الأمة المستباح.
يعرف الجميع أن الحل العادل للقضية الفلسطينية ليس موجوداً إلا في الكتب، فالتسوية السياسية لا علاقة لها بعدالة الحل، إنما بموازين القوى، وبعض الاختراقات في الهوامش المتاحة. الموازين هي التي تحدد مسارات الحل ونتائجه، وهي في وضع لا يحسد عليه بسبب ما تعانيه فصائلها من انقسام، خصوصاً الخصام المعلن بين حركتَي فتح وحماس. هذا الانقسام قاد إلى عزوف كثيرين عن التفاعل مع ضحايا المحرقة الصهيونية، فهربوا بحثاً عن وقائع ومعطيات جديدة قد تعيد لهم الأمل، الذي ضيَّعته الخلافات الداخلية والاحترابات العربية.
ربما تحتاج الأمة إلى حالة جديدة، تستنهض من خلالها الواقع المأزوم الغارقة فيه. ربما مبادرة جريئة وشجاعة تشبه شجاعة اليونانيين، تشد وتحد من حالة الارتخاء العدمية، وتحولها إلى حالة الفعل الحقيقية، التي من شأنها ترسيخ قواعد جديدة للصراع، تقوم على أساس الوحدة لا التفتيت، فالاحتلال لا يلتفت إلى الضعفاء، بل يمعن في سكب زيت أزماتهم على نارها.
الشكر لليونان ينبع من عمق الشعور لما يجري في منطقتنا، والتداعيات في مهد الديمقراطية والفلسفة، فرغم الجراح والأزمات الكبرى التي تعاني منها اليونان بسبب الدين العام والانهيار الاقتصادي، إلا أن اليونانيين كانوا أكثر جرأة من غيرهم، ممَّن أضاعوا البوصلة، وراحوا يعبثون بينما يمارس الكيان ضغوطه عبر اللوبيات الموزعة في العواصم الكبرى، وفي نفس الوقت يقوم بتنفيذ سياساته القذرة بقتل الفلسطينيين، الذين يواجهون ترسانته العسكرية، وينشدون تحرير بلادهم بسكاكين المطبخ، ورغم اليد الطولى، والتواطؤ، والصمت عن جرائم الاحتلال، بما فيها اغتيال عميد الأسرى في سجون الاحتلال سمير القنطار، الذي أمضى ثلاثين عاماً في الأسر، وواصل طريق النضال ضد الاحتلال بعد تحرره حتى قُتل شهيداً قبل أيام.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٢) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-١٢-٢٠١٥)