علي عيسى الوباري

علي عيسى الوباري

الإبداعات والإنجازات لا تنتهي ما دامت معرفة وتجارب الإنسان في استمرار وتراكم، نتيجة التطور المعرفي؛ فكثير من الاختراعات البدائية تطورت تقنياً بحيث نسيت المادة المخترعة الأولى وبقي صاحب الاختراع الأول بين صفحات الكتب والموسوعات هو الأصل والمرجع. قد يكون الأمر مختلفاً مع من وضعوا نظريات وافتراضات بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والفكرية التي مازالت تعتبر أساساً للتحليل والاستدلال في الشؤون البشرية وتفسيرات بعض الظواهر لكن تطورها بطيء. أما الاختراعات والابتكارات الأولية التي اعتبرت أساس التطور فإن الآلة المخترعة الأولية مع مرور الزمن أصبحت مختلفة جدا عن منتجات الآلات والأدوات الحالية مقارنة مع أصلها في بداية اختراعها؛ بحيث لا يشعر المرء أن هناك ارتباطاً بين البدائي والمنتج النهائي في عصرنا الحالي، مثال ذلك الهاتف الثابت والجهاز الذكي.
كذلك في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية تغيرت نظريات وافتراضات نتيجة تغير التفكير الذي اعتمد على الآلة الدقيقة والجهاز الذكي في الأداء والتنفيذ والنتائج أصبحت أسرع وأدق وأقل تكلفة.
رغم التغيرات السريعة والتطورات الهائلة وظهور آلات وأجهزة لم تكن موجودة سابقا دخلت في حياة البشر ونقلتها نقلة نوعية بحيث اختصرت الوقت وخفضت التكلفة وجعلت من العالم المسكون قرية صغيرة مع رفاهية عالية.
مع هذا الإبداع الإنساني والابتكارات في جميع أوجه الحياة، إلا أننا لا نزال نظلم الأجيال نفسياً وتربوياً وحقوقياً بإبقاء المرجعية الأولى لأفراد قبل مئات السنين بالقول والتعميم باستعمال كلمات «أفضل وأول وأحسن أو ليس له نظير في العلم والإبداع والاختراع». ألا يمكن أن يكون بعض شعراء هذا العصر أفضل من شعراء صدر الإسلام الذين ما زالوا يذكرون على أنهم الأفضل رغم أنه لو تمت المقارنة حسب الظروف النسبية مثل قوة اللغة وطبيعتها ومستوى الأدباء والشعراء الفطريين الذين يتحدثون بلغة أصفى ومفردات عربية أنقى لرجحت كفتهم على من عاش في عصر هجوم اللغات وتحديات الثقافات وضعف تداول اللغة بعصر التقنية.
ألا يمكن أن يكون الفيزيائي الإنجليزي ستيفن هوكينج أفضل إنجازا وأذكى من أنشتاين لأنه عاش ظروفا فريدة بسبب أمراضه وإعاقته، عند المقارنة ألم ينظر إلى معاناة الفيزيائي وظروف صحته الميؤوس منها، ألا تقدر فيه الإرادة والإصرار على تقديم نظريات فيزيائية عن الكون تفيد البشرية مع عالم عاش سليماً جسدياً دون معاناة مرضية.
كثيرون من العلماء والمفكرين والفلاسفة احتلوا مناصب في تخصصاتهم واحتكروا ألقابا بقيت معهم رغم مجيء علماء من بعدهم بمخترعات ومبتكرات أفادت الإنسانية أكثر.
لا ننكر ما قدمه الأولون والطليعيون لكن المتأخرين قدموا الأفضل لعصرهم والمناسب لزمانهم والأكثر فائدة ورفاهية للبشرية وساهموا في التنمية الشاملة بشكل أكبر وأوسع لكن ما زالوا يُظلمون في التقييم والمقارنة.
لكل مبدع ومخترع ومساهم بإنجاز أو مشروع الحق أن يمجد ويذكره التاريخ بما يليق بعطائه وإبداعه، لكن ما يقدمه إنسان هذا الزمن لا ينبغي أن يظل مرتبطاً بما قدمه السابقون ويُذكر في الكتب أن أساس هذا الاختراع العالم الذي عاش قبل قرنين مثلا، لأن ما اخترع واستجد من ابتكارات وإبداعات تعتبر مختلفة عما سبق، أيضا أدوات ووسائل احتياجات ومطالب هذا العصر اختلفت بشكل جذري.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-١٢-٢٠١٥)