مَنْ يدعي أن قيادة المرأة السيارة تشكل مشكلة فقد جانب الصواب، لأنها لو كانت كذلك لوجدتها اليوم على طاولة الأمين العام للأمم المتحدة ولكن، مع الأسف، نحن مَنْ خلق هذه المشكلة، ووضعنا عليها بعض البهارات المحلية حتى أصبحت من مشكلاتنا الاجتماعية المستعصية، وغير القابلة للحل حتى الساعة، وهذا قد يروق لبعضهم لكونها مجمدة، ناهيك عن الذين يرفضون حتى الحديث عنها، وهذا التعصُّب من بعضهم يذكِّرني بقصة رجل هندي كان يعيش في أواخر القرن التاسع عشر في إحدى الولايات الأمريكية الجنوبية، حيث دخل على زعيم الهنود الحمر، وقال له: متى تنتهي حضارتنا يا زعيم؟ فرد زعيمه قائلاً: عندما تشاهد عربة الرجل الأبيض تتجول إلى جانبك. وهذه القصة تنطبق علينا تماماً، حيث يعتقد بعضهم أنه عندما يشاهد المرأة تقود سيارتها في شارع العليا فإنه سيكون قد حُكم عليه حينها بالإعدام فكرياً، واجتماعياً، ومادياً أيضاً، وهذا التفكير تجده فقط عند أناس لا ينظرون إلى ما حولهم إلا وفق رؤية ضيقة الأفق مثل رؤيتهم سابقاً لقضية دراسة البنات، مروراً بالإنترنت، و«الصحون اللاقطة»… والقائمة تطول، فمَنْ وقف ضدها بالأمس هو بطلها اليوم.
بعضنا بارع في خلق الأعذار، ولو كانت هناك جائزة نوبل لخلق الأعذار، لكانت من نصيبنا دون منازع. مع الأسف، لا نضع هذا الرأي، وذاك الآخر على الطاولة، بل نذهب لنخلق الأعذار، والمفاهيم الجديدة المتناقضة، وذلك تعصباً لرأينا بعدما أثبتنا عجزنا شرعاً، حيث يذهب بعضهم إلى القول إن المشكلة ستأتي بعد قيادتها السيارة، وآخرون يدعون أنهم خائفون عليها من التحرش. نحن نحترم هذا الشعور، رغم أنه يفتقد إلى المصداقية والواقعية، ولكن لماذا لا تقع عيوننا دائماً إلا على السلبيات، ونهمل الإيجابيات، وفي النهاية نجد أنفسنا على خطأ؟! وسواء شئنا أم أبينا، فإن لدينا مشكلة اجتماعية تسمَّى قيادة المرأة السيارة، وهي من صنعنا نحن، وإذا بقيت على الرف المهجور مجمدة فسوف يأتي أحفادنا، أو ربما أبناؤنا، و«يزيحون عنها الغبار».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٢) صفحة (٦) بتاريخ (٢٥-١٢-٢٠١٥)