عايض القحطاني

عايض القحطاني

رب كلمة واحدة تفعل في نفوسنا ما لا تفعله ألف كلمة وكلمة.. ولا شيء في الدنيا أجمل من كلمة طيبة.. مريض ذهب إلى بريطانيا لإجراء جراحة في القلب فدخلت ممرّضة قبل إجراء العملية بساعات ولكن على مستوى رفيع جداً لتنسيق الأزهار في غرفة المريض، فسألته: من هو طبيبك؟ فقال لها: فلان، فدهشت وقالت له: فلان!! فقال لها: نعم، فقالت له: وهل وافق أن يجري لك هذه الجراحة؟! فقال لها: نعم فقد حضرت بناءً على موعد معه، فقالت: هذا غير معقول فليس عند هذا الطبيب وقت كافٍ وهو أجرى أكثر من عشرة آلاف عمليّة كلّها ناجحة، كل ذلك لترفع معنويات المريض، في حين ظهر له بعد ذلك أنّها ليست ممرِّضة بل طبيبة في علم النفس تقوم بدورها عملياً لا شيء غير كلمة طيبة تهمس بها في أذن المريض.
نتقابل فننطق بـ«السلام» لنزيل الحواجز ونتآلف ونزيد بـ«أهلا أو أرحب أو مرحبا وغيرها» فنزداد بها حفاوة وسعادة. تبدأ مهمة ما بـ«لو سمحت» فتزيد من همتنا وتنتهي بـ «شكرا» فتخفف عنا التعب ونخطئ أحيانا فنبادر بـ«آسف» دفعا للخصومة والشجار والتناحر. يحط بنا اليأس من كل جانب حتى تظلم الدنيا في أعيننا فيتحدث إلينا أحدهم بكلمة طيبة فتشرق الدنيا من جديد. كم من كلمة طيبة لم نلق لها بالا قلناها أو سمعناها على حد سواء بعثت في الأرواح أملا ولملمت جرحا ورأبت صدعا حين ضاقت الدنيا بما رحبت وكم من كلمة نفست عنا حين المرض وواستنا حين الألم وكم من كلمة فتحت أقفال القلوب والعقول وكم من كلمة رسمت بسمة وكفكفت دمعة وكم من كلمة نفضت عنا غبار التيه والضياع وهدتنا إلى بر الأمان وأضاءت لنا الطريق. كم من موهبة اكتشفت وسقيت بكلمة وكم براءة اختراع وشهادة عليا كانت نواتها كلمة بذرت في أرض خصبة أو يابسة أحيانا، كم من عادة طيبة اكتسبناها وأخرى سيئة تركنها بكلمة طيبة، كم من ثروة تدفقت بدايتها كلمة لامست نفسا طموحة، كم من علم وعالم بلغ خبره وعلمه الآفاق بسبب كلمة وقرت في قلبه. كم من قصة سمعناها عن متعثر في دراسته توقف وبعد سنين من الزمن عاد مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة ولم يكتف حتى نال الشهادات العليا بسبب كلمة طيبة تزامنت مع عزيمة صادقة. يحكى أن العالم الفقيه أبو بكر القفال أفنى 40 سنة من عمره في صناعة الأقفال حتى صنع له قفلا أفضل من سابقيه فاستغرب أنه لم يذكره أحد ولم ينتشر خبره بخلاف من سبقه فقال له أحد جلسائه: إنما الذكر بالعلم لا بالأقفال فوقرت تلك الكلمة في قلبه فرغب في العلم واشتغل به فانتشر علمه وفقهه وقصده الناس. النفوس السوية السليمة فطرت على حب الكلمة الطيبة فتجدها تحب صاحب الكلمة الطيبة بالجلوس إليه أو سماع حديثه أو متابعته على برامج التواصل الاجتماعي بخلاف غيره تجدها تنفر منه وتضيق ذرعا بما يقول ويكتب ويغرد. ما أحوجنا إلى الكلمة الطيبة الصادقة نطقا وسماعا نسعد بها وتنير لنا الطريق وتشد من عزائمنا، يكفينا أنها هدي سماوي وتكتب صدقة لصاحبها قال تعالى «وقولوا للناس حسنا» وقال ﷺ «والكلمة الطيبة صدقة» دمتم بخير وجعلنا الله مباركين أينما كنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٦-١٢-٢٠١٥)