عزة آل محمود

أول من يهاجم القبيلة وينكر حقها في الوجود فضلاً عن حقوقها هم مع الأسف ممن ينادون بالحريات والحقوق، فالحريات التي قصدوها للجميع إلا لهذا الكائن (القبيلة) ذي الأيديولوجية المرفوضة شكلاً ومضموناً، هذه النظرة من أشخاص معينين قد تكون ازدواجية في التفكير، وقد تكون ردة فعل لموقف ما أو تجاه شخص ما ممن ينتسبون لهذه القبيلة، القبيلة هي الجماعةُ من الناس التي تنتسب إِلى أَبٍ أو جَدٍّ واحد، فالبيت الواحد قبيلة، والعائلة الكبيرة قبيلة، وجمع من الأفراد والعائلات قبيلة، معناه أننا جميعاً لنا قبيلة فلماذا إنكار القبيلة؟ إن من ينكر القبيلة وقوتها ووجودها لا يدرك الحقائق أو لا يريد تصديق واقع قوي.
ففي القديم سر تميز العرب واتصافهم بأجمل الصفات والسمات الأخلاقية والأدائية هو انتسابهم للقبيلة، وفي عصر الإسلام الأول عندما يُسلم رجل القبيلة الأول وقائدها فإن القبيلة تتبع الإسلام لثقتها في القائد الذي لم يكن قائداً من فراغ، وفي بداية الدولة السعودية عندما يطيع شيخ القبيلة دولته فإن القبيلة تُسلم بتلك الطاعة وتؤيدها إيماناً منهم بحرصه على مصالحهم، لذلك القبيلة لا تناقض الدين ولا تناقض اللحمة الوطنية ولا تقف حجر عثرة في طريق التقدم والتنمية، بل مؤيدة لكل ما هو حق وترفض الباطل من الأعمال والأقوال وترفض الباطل من الأشخاص حتى وإن كان فرداً من أغلى أفرادها.
القبيلة هي مدرسة فكرية واجتماعية تعنى بإضافة الفكر الذي يستضيء بنور الإيمان وبإضافة القيم الأخلاقية والاجتماعية فتعلموا منها احترام المواثيق والعهود مع الله ومع الناس، وتعلموا الكرم وتعلموا (النخوة والفزعة كما درج تسميتها، وما قصدناه الفزعة المنصفة لجميع الأطراف) وتعلموا الحمية العادلة وتعلموا الوفاء، والحب الذي لا يطلب من ورائه جزاء ولا شكور، وتعلموا التكافل المادي والمعنوي وتعلموا حسن الخطاب والمنطق.
وهناك من ينكر على القبيلة التعصب (لرجل أو فكرة أو عمل صدر من القبيلة حتى وإن كان خطأ) والتفاخر (بالأنساب والأمجاد وبالإنجاز صغيراً وكبيراً)، والتحزب (ضد الآخرين في موقف ما أو مشاركة). ونحن لا ننكر خطأ مثل هذه الممارسات، ولكن تبقى ممارسات صادرة من أفراد لا يجوز أن تعمم على القبيلة ونلغي دورها الحيوي (حقيقة رجل عليها ألا تكون قاعدة لحقيقة رجل آخر .. جاين أوستن)، ولذلك على القبيلة أن تنهي هذه الممارسات الفردية وتسعى لتقويمها وتجعل من كل فرد فيها ترجماناً لخلق وفكر القبيلة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فوجود القبيلة أزلي لم يُخترع من قبل أفراد، ولم يصنع لإقصاء أحد، ولم يُفرض بالقوة، بل هو فطرة كان وسيبقى ما دام أساس بنائه التقوى، وإحدى عملياته التفاعل الاجتماعي البناء، وهذا البقاء المشرق للقبيلة هو ما نريده ويريده كل عاقل منصف من داخل القبيلة أو من خارجها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٨-١٢-٢٠١٥)