ماهر بن عبدالعزيز التمار

ماهر بن عبدالعزيز التمار

الحياة من حولنا مليئة بالمواقف المبكية من ألمها، والمشاهد المزلزلة للقلوب من شدتها، والدموع تتناغم معها بوافر حزنها..دموع حارة من الحسرة والندامة على من فقدت، أو تجرعت من ضنك الحياة وقهرها وتألمت. كثيرة هي الدموع التي نقف بها أمام مواقف الدنيا لنغطي بها أحزاننا ونرفع الستار عن مواقف أخرى تنسينا آلام الماضي مع جرحها الدامي وأثرها الباقي. فتعالوا بنا نعانق ذكريات جميلة كانت بالماضي عشناها، لم تنسنا الدنيا بدايتها ولا منتهاها، ولم يشغلنا في الماضي التكاثر عن الوقوف بين يدي الله مولانا ومولاها، نبكي تضرعا وخشية: كنا نجدها في تلاوة أو في موعظة أو في صلاة تراويح نسمع من حولنا أزيز كأزيز المرجل في صدور رجال يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ويزيدك هذا المنظر رغبة وابتهالاً للعلي ذي الجلال، فكنا نبكي بعدها حبا في رؤية من نقف بين يديه، ورجاء في جناته، وخوفا من عقابه، لقد كانت هذه المواقف وهذه الأحاسيس تقذف بقلوبنا إلى الجنة كأننا ننعم بجنانها وبجوار أنهارها، وتارة تقف بنا على شفير جهنم كأننا على وشك السقوط فيها. لقد غابت عنّا تلك الدموع، وأشغلتنا الدنيا بأهوائها، عن الاهتمام بها والتفكير في فضلها، حتى أصبحنا نستسقي الله أن تنزل دموعنا التي تحجرت مآقيها، فأجدبت عيوننا عن سقيا قلوبنا وغسلها من هموم الدنيا التي لا تزول يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». رواه الترمذي وقال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: «لأن أدمع من خشية الله أحب إلى من أن أتصدق بألف دينار». والبكاء من خشية الله تعالى أصدق بكاء تردد في النفوس، وأقوى مترجم عن القلوب الوجلة الخائفة. ويقول تعالى مخاطبا المؤمنين ومعاتبا لهم الذين هم أولى بخشوع القلب من غيرهم: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..» بلى يارب: قد آن أن يرجع الخشوع للقلوب النائمة وقد آن أن ترجع تلك الدموع الغائبة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٧) صفحة (١٠) بتاريخ (٣٠-١٢-٢٠١٥)