* في العام الميلادي الجديد الذي نستقبله اليوم يتطلع المواطنون العرب في مختلف البلدان المثخنة بجراحاتها الغائرة في الأجساد المنهكة، المتعبة من وعود لم تأت

قد تكون صورة الطفل آلان الكردي وهو نائم نومته الأخيرة على شاطئ بلدة بدروم التركية، هي الصورة الأكثر تعلقًا في الذهن، وتلخص المشهد المأساوي الذي تتجرعه الأمة بسبب اقتتال الإخوة وتداعيات الأوضاع الداخلية في المنطقة العربية، التي تتزلزل أراضيها منذ خمس سنوات دون أن يلوح في الأفق نهاية لهذه المأساة، فأين ما تيمم وجهك ستجد الأزمات المتناسلة في كافة الأرجاء، وهي مستمرة في صيرورة عبثية وبغير اكتراث بأن القادم قد يكون أعظم وأشد وجعًا مما سبق.
قد تكون قضية اللاجئين السوريين هي الأبرز خلال العام الذي انقضى بكل مآسيه وأوجاعه الوخيمة ونتائجه كارثية، لكن هذه القضية ليست سوى قمة جبل الأزمات المدفون تحت الماء وستتكشف الكثير منها تباعًا، وستتكشف تفاصيل أكبر، بدءًا من ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية التي وجدت أرضًا لها في الموصل بلمحة عين وسيطرت، مرورًا بالاحترابات الكبرى والتفصيلية والحروب بالوكالات التي أفرزتها الظاهرة، وكشفت بعضًا من المستور الذي أريد له أن يبقى مكتومًا، وصولًا لحالة التفتيت التي تتغذى على تردي الأداءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها أغلب البلدان العربية.
جثمان الطفل آلان الكردي كان فاصلًا لتوقف الصمت الدولي، فكانت أنجيلا ميريكل زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي والشخص الأقوى، عرت الكثير من الأنظمة المتخفية وراء الشرعيات وبرامج العلاقات العامة، فقررت فتح دول الاتحاد الأوروبي، وإن إلى حين، لأولئك البؤساء الذين يصارعون الأمواج كي لا تلتهمهم حيتان المحيطات، كم عرتنا تلك الصورة المؤلمة لآلان وهو مكبوب على وجهه يقبل ترابًا غير تراب بلده الذي هجره..!!
في العام الميلادي الجديد الذي نستقبله اليوم يتطلع المواطنون العرب في مختلف البلدان المثخنة بجراحاتها الغائرة في الأجساد المنهكة، المتعبة من وعود لم تأت، بل جاء مكانها عذابات يومية تبدأ بلقمة الخبز ولا تنتهي بالإهانات ولطم من يتوجع على وجهه، وتحميله مسؤولية اللطمة، لأن خده اقترب من تلك الكف التي لا تكف عن الضرب.
روزنامة العام الذي انقضى مخجلة ومرعبة، الصورة النمطية التي طبعت في أدمغة المواطن الأوروبي خصوصًا وغير العربي عمومًا، تعمقت بطريقة يصعب انتشالها من قيعان العقل بعد أن فعلت الهجمات الإرهابية في باريس ولندن ومدريد فعلتها، وتصاعدت مع الصور الموجهة لإشاعة الرعب والخوف من الغول القادم من قعر التاريخ المتوحش للإنسانية، بما فيها عمليات الحرق والاغتصاب والسبي والنهب وتدمير كل ما هو حي.
ليس في الروزنامة العربية ما هو مشرق، كل الصفحات التي أصدرتها الصحف وجردت فيها أحداث العام، خلت من بقعة ضوء يعتد بها، فقط تلك الإضاءات القادمة من فلسطين التي تقاوم المحتل بسكاكين المطبخ وبصدور عارية، عشرات من الشباب وصلوا حافة اليأس من اختلاف إخوة النضال، ومن ممارسات الاحتلال في اقتلاع الشجر وتدمير الحجر وقتل البشر، فلم يجدوا سوى السكاكين يستلونها من مطابخ بيوتهم الصفيحية، ليعيدوا الوهج في تموضع النضال الفلسطيني وإعادة القضية المركزية للأمة لواجهتها، بعد أن توارت خلف حروب أمراء الطوائف، وبلغت الدماء المسفوكة حد الركب، كما تقول العرب.
قيل يومًا: سيصبح العرب يهود التاريخ، وها نحن نسير بهذا الاتجاه، حيث التفتيت والقتل على الهوية يسير جنبًا إلى جنب مع نزوح الملايين نحو الفقر والعوز واللجوء وإغراق العواصم والمدن بكل الأمراض الدخيلة.
الله ينجينا من القادم وما هو آت نحو درك تبدو ملامحه قاتمة، فالاقتصاد قد تدهور في أغلب البلدان العربية والأزمات المعيشية تحفر في الأجساد، والأداء الرسمي يسير صوب الغنائمية على الطريقة الجاهلية الأولى، وما تبقى لنا من أوطان نحلم بالأمن فيها ستكون عرضة لاختراقات كبرى، إن لم نعد دوزنة الأدمغة المقررة، بما يحفظ ما تبقى من معطيات للناس ولبلدانها.
نحلم اليوم بألا تأتي روزنامة العام المقبل، فنترحم على السنة الكبيسة التي كبست على منافسنا وانطوت، نحلم بأوطان وحدة ومزدهرة تضع مواطنها نصب أعينها لترتقي به نحو مكان تحت الشمس إلى جانب الأمم الأخرى..مجرد حلم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٩) صفحة (١١) بتاريخ (٠١-٠١-٢٠١٦)