د. نوف عبدالعزيز الغامدي – خبيرة ومستشارة تخطيط استراتيجي

د. نوف عبدالعزيز الغامدي

د. نوف عبدالعزيز الغامدي

إن التحول الوطني وصنع استراتيجية دولة مُبتكرة [المملكة 2020]، لا يأتي إلا بتبني الابتكار والإبداع والاقتصاد المعرفي المتكامل المعتمد على جيل مفعّل وليس على جيل معطل، فالمملكة أصبحت بوصلة الشرق التي تصنع التوجهات الإقليمية والدولية، قبلة دينية واقتصادية وفكرية وسياسية، كما أن الحل الأمثل الذي أصبح رؤية قيادة الملك سلمان -حفظه الله- هو تنويع الاستثمارات وألا نجعل البيض بأكمله في سلة واحدة [سلة النفط].
إن ميزانية الدولة للعام 1437 – 1438هـ تُعتبر إنجازا في السياسة الاقتصادية للمحافظة على الميزانية والمحافظة على الإنفاق، وإعلان الميزانية من خلال (ندوة) فيه نوع من الشفافية وتواصل بين الحكومة والشعب والإعلام، كما أن السياسة المالية اعتمدت على معيار (كفاءة الإنفاق) في ظل مشروع التحول الوطني، كما أن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية يعمل على إصلاحات هيكلية مالية شاملة قائمة على تعدد مصادر الدخل، وتتميز بترشيد المدخلات ومراعاة الكفاءة في المخرجات ورفعها، والتوجه للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وكان النصيب الأكبر للقطاع الأمني والعسكري بما يقارب 213 مليون ريال، ويليه قطاع التعليم والتدريب والقوى العاملة 191 مليون ريال و الخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية 104 ملايين ريال، وحسب الأرقام فلن يكون هناك انكماش في الاقتصاد غير النفطي.
والتعامل مع العجز إما أن يكون من خلال الاحتياطي وهو قوي وقد لا تحتاج له الدولة، أو من خلال الاقتراض من إصدارات الدين العام،‏ كما استُحدث هذا العام مخصص عاماً في دعم الميزانية، ليعطيها مرونة أكبر في التعامل مع التقلبات الحادّة في الأسعار.
ومن خلال برنامج [التحول الوطني] أرى أن الحلم السعودي يتجسد وريشة الأمير/ محمد بن سلمان ستُغير وجه المملكة ويصنع تاريخاً جديداً، ونحن ندخل عصراً جديداً بهوية تحارب الإرهاب من خلال مركز عمليات موحد تقوده المملكة، نحتاج بداية إلى هيكلة التعليم والبدء في فكر [التخطيط للأجيال المقبلة] من خلال منظومة تعليمية متكاملة تواكب التطور المعرفي ومخرجات تعليمية تواكب متطلبات سوق العمل.
إن البحث عن مصادر دخل جديدة يجب أن يكون هاجسنا الأول، فلابد من تفعيل أكبر لدور الشركات العائلية وهيكلتها ومدى مساهمتها في الناتج المحلي، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية وتسهيل القوانين التجارية وتشجيع الشراكات ذات الخبرة، لتنشيط عجلة الاقتصاد، ودعم الاستثمارات ذات رؤوس الأموال الكبيرة ومنحها التسهيلات القانونية والتنظيمية لتدعم بدورها الاستثمارات المتوسطة والصغيرة وتمهيد الطريق لها، ودعم روّاد الأعمال ومساعدتهم وتعزيز مشاركتهم في التنمية. والاستثمار في قطاع الزراعة والسياحة. إنّ البترول وقطاع البتروكيميائيات هو مصدرنا الأول للدخل، لذلك تكاد أن تكون جميع فعالياتنا المعاشية والاقتصادية رهناً بذلك المارد الأسود، وما فتح باب الاستثمار للمستثمر الأجنبي إلا خطوة رائدة لها مردودها المادي والأمني والاستراتيجي، إنّنا الآن نتبع سياسة ترشيد برؤية تنمية ورؤية اقتصادية من خلال التخطيط المالي وإنشاء وحدة للمالية العامة في وزارة المالية وتحديد سقف الميزانية، مراجعة الميزانية الحالية ورفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي من خلال مراجعة المشاريع الحكومية، ورفع كفاءة الإنفاق التشغيلي من خلال ترشيد النفقات للأجهزة الحكومية والحد من الهدر العام، والحد من تنامي المصروفات الجارية، ختاماً فإن الهندسة المجتمعية لها دور كبير في تهيئة البنية الفكرية، كما أنّه لابد من إستكمال التشريعات القانونية الناقصة وتوسيع دائرة مشاركة المرأة، لذا أقترح إنشاء لجنة فرعية تحت مظلة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، يكون اختصاصها في البحوث والاستشارات التنافسية العالمية، ويكون هدفها الرئيس وضع رؤية إنمائية تنافسية للمملكة خلال سنوات محددة، وذلك من خلال رصد واستعراض وتحليل عدد من التقارير والمؤشرات العالمية المهمة، لقياس أداء المملكة التنافسي وتحسين ترتيب المملكة في التقارير العالمية. ومن هنا نجد أنه ينبغي على المركز الوطني لقياس الأجهزة الحكومية، تحديد مؤشرات واضحة لكل الجهات الحكومية، وإلزامها بالعمل على تطويرها؛ لتحسين ترتيب المملكة تنافسياً ونشر تقارير دورية بالمستجدات على موقع إلكتروني مختص وبكل شفافية، وإضافة لذلك من المهم أن يكون هناك ربط لتقييم إلكتروني لخدمات جميع الجهات الحكومية لمستفيديها، من خلال الموقع المخصص للمركز وتحديث نتائجه بشكل دوري. وإنشاء مسميات وظيفية مختصة بالابتكار في كل جهة حكومية، وبعد قرار إنشاء المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة الحكومية، أرى أنه حان الوقت لاستحداث وظيفة مختصة في «تقييم وإدارة الأداء» في كل جهة حكومية «PerformanceManagement»، ويكون لديها صلاحيات واضحة خصوصاً في التواصل مع القيادات العليا في الجهة الحكومية، ويتم ربطها مباشرة بالمركز، فوجود حلقة وصل واضحة مع المستفيدين من خلال رصد الأداء والعمل على تطويره ضمن مجموعة من السياسات والإجراءات التنافسية، سيعكس حقيقة الجهود المبذولة في النهوض بالاقتصاد المحلي، علينا جميعاً أن نكون جزءا من هذا التحول الوطني، فهو نموذج فريد للاستدامة والتنمية الشاملة من خلال منظومة تنصهر فيها الأجهزة الحكومية والخاصة والأفراد، لذا لابد أن نكون داعمين لهذا التوجه بجميع أطيافنا الفكرية والثقافية.
الميزانية إيجابية ولها انعكاسات إقتصادية تنموية، لكنها لابد أن تُقرأ بصورة متكاملة ولا تُقرأ مجزأة ! ونحنُ لا نعيش مرحلة تقشف بل مرحلة ترشيد، إنّ رفع الدعم عن البنزين لتوفير نحو 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) سنويا، وسيكون السماح بزيادة أسعار البنزين أحد أكبر الإصلاحات الاقتصادية في المملكة لسنوات، وقد تكون هناك حساسية سياسية للأمر في ظل اعتماد كثير من محدودي الدخل في المملكة على الوقود الرخيص، لكنها ستتحول لميزة اقتصادية كبيرة لو رافقها تِباعاً دعم للسلع والمنتجات الاستهلاكية وتحديد لسقف الأسعار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٨٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-٠١-٢٠١٦)