سما يوسف

في كل موقف قاس يسجل التاريخ أسماء لبطولة شبابنا من جدة إلى القصيم إلى جازان التي استيقظ أهلها على فاجعة تعد من الكوارث .. ومن أرض الفل والياسمين، ومن فوق تراب جازان ومن الأرض التي عليها يقف أبطالنا البواسل المدافعون عن أمننا ضربت أميرة إسماعيل أحمد ونجود مهدي أروع المثل في التضحية والفداء، في ليلة من أقسى الليالي التي مرت على (عروس الجنوب ) حيث اشتعلت النيران في حريق مستشفى جازان صهرت النيران أجساداً تئن من الألم وأظهرت معدن هاتين الشابتين من شابات وشباب جازان ومعدنهما الأصيل، فألقتا بحياتهما وبكل شيء وراءهما ولم تفكرا في نفسيهما إلا في هؤلاء الأطفال الصغار الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في مستشفى ( مقبرة الأحلام ) بتاريخها السيئ وسجلها الأسود ، نسيتا حياتهما وروحهما ومستقبلها، واقتحمتا بكل شجاعة وجسارة النيران لتكتبا بعد إرادة الله حياة جديدة لأبرياء شاء القدر أن يكونوا في أسرتهم الصغيرة المصنوعة من البلاستك في المستشفى وقت اندلاع الحريق لتسجل أسماؤهم في تعداد الوفيات كما سبق لأطفال سبقوهم من أخطاء طبية وإهمال .
بنتا جازان ( أميرة ونجود ) ضربتا أشد أنواع البطولة كإخوانهما الشباب الذين اندفعوا فور تلقيهم الخبر عند الفجر من صباح الخميس لتأدية الواجب والعمل التطوعي ولم تفكرا أيضًا في خطة طوارئ الصحة، ولا في الدفاع المدني، ولا في خطط إنقاذ طوارئ لأي جهة، وكان في رأسيهما شيء واحد فقط هو إنقاذ الصغار من الموت المحتم.
وروت أميرة حكاية اللحظات الصعبة التي واجهت فيها الموت، قالت بينما كنت منشغلة مع فني الأشعة، نجري أشعة عاجلة لأحد الأطفال، جاءتني إحدى زميلاتي تسألني: هل تشتمين رائحة دخان حريق؟ وبعد لحظات بات الأمر أكثر وضوحًا بعد تكاثر الرائحة، والدخان الأسود بدأ يحاصرنا ، وتأكدنا أن هناك حريقًا بالفعل في الغرفة المجاورة بقسم الولادة، و صوت ينادي: حريق، حريق، تسمرت في مكاني وتزاحمت الأفكار ، وماذا يفعل هؤلاء الصغار؟ هل نتركهم يموتون؟ وما ذنبهم؟ وفي داخلي شيء يصرخ لإنقاذهم ، تجاهلت كل الأصوات وكل النداءات ولم أسمع إلا أنين الصغار، نسيت كل الوجوه إلا عيونهم وهم لا يعون مايدور حولهم بأن الموت ينتظرهم ، لم أعطِ نفسي أي فرصة للتفكير، لم أهتم بمناداة رجال الأمن ولا بالرجال الذين كانوا خارج القسم يطلبون منا الإسراع في الخروج، وقررت فورًا إنقاذهم ولو كان الثمن حياتي، ولم أترك المكان إلا والصغار معي.
ونادت على زميلتها كي تلحق بها ، وفي طريق العودة إلى الحضانة شاهدتا بابها يحترق، فأسرعتا الخطى ركضًا والغطاء في يدها، واتجهتا إلى الباب الخلفي، وحطمتا الزجاج فوضعت أربعة أطفال من السبعة الموجودين في القسم داخل الغطاء، وحملت الخامس في يدي، بينما حملت زميلتها السادس والسابع ، وأثناء الخروج كان المشهد مرعباً صعبًا للغاية، فكل شيء يحترق من أمامنا وخلفنا، ومع ذلك أسرعنا الركض وسط النيران وألسنة اللهب تلاحقنا من كل جانب، حتى وصلنا من مدخل الولادة وحتى الدرج الرئيسي، وحمدت الله عندما وجدت نفسي خارج الجدران المحترقة ومعي الأطفال الصغار أحياء”.
وبالرغم من الحزن على الذين توفوا وأصيبوا، إلا أن إنقاذ هؤلاء الصغار هي السعادة الكبرى، وهنا أثبتت المرأة الجيزانية لشقيقها الرجل أن المرأة أيًا كانت وظيفتها قادرة على أن تقوم بواجبها الإنساني الوطني.
أميرة ونجود رمز لبنات جازان ، جازان التي لاتنحني مهما اشتدت عليها العواصف وأحرقتها النيران وتيتم الصغار وترملت النساء . أنتما فخر لجازان التي أنجبتكما ، وفخر في جبين الوطن .. اللهمّ اغفر لمن مات منهم واجعلهم من الشهداء ، واشفِ مرضاهم . واربط على قلوبهم الطمأنينة، واحمِ وطننا من كل سوء .

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٩١) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠١-٢٠١٦)