د. صالح بن محمد النويجم -  مستشار في إمارة المنطقة الشرقية

د. صالح بن محمد النويجم – مستشار في إمارة المنطقة الشرقية

لقد شهد الوطن حدثاً استثنائيا بما أعلنته وزارة الداخلية بقتل مجموعة من الإرهابيين ما بين حدّ وتعزير وقصاص.. وحول هذا الحدث أقف مع القرّاء الكرام وقفات:
أولاها: أنّ تنفيذ الحدود والتعزيرات ليست وليدة اليوم بل نهج المملكة منذ الدولة السعودية الأولى، بل إنّه من المعلوم لدى من يعرف تأريخها أنّه في الدولة السعودية الأولى في القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية الشريفة عُطلت الحدود أو كادت أن تُعطَّل في غالب الدول الإسلاميّة وكان من أعظم أسباب ظهور الدولة أن أقام الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب -رحمهما الله- الحدود فكان في ذلك قوّة للدولة وإعزاز لها وكسر لخصومها.
الوقفة الثانية: أنّ من أقيمت بحقهم تلك العقوبات، أقدموا على جرائم ومُنكرات، واقترفوا ذنوباً وموبقات، واعتنقوا زندقة وضلالات، وكفّروا المجتمع واستحلّوا الحُرمات، فجرى عليهم سيف الشريعة – ولله الحمد والمنّة – ليظهر أمر الله بإقامة حدوده، وليُحفظ أمن المجتمع وترتدع النفوس التي تُضمر الشرّ لعقيدتنا وبلادنا وولاة أمرنا واجتماع كلمتنا.
الوقفة الثالثة: عظم البلاء بسرعة انتشار الشبهات المُضللة والأفكار التي يبثها من ينتسبون إلى الإسلام ظاهراً وهم أبعد الناس عنه باطناً، فكر الخوارج كالقاعدة وداعش وما جرى مجراهما، (يقولون بقول خير البريّة وهم مارقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة) وكم صدّقهم حدثاء الأسنان من شبابنا عن حسن نيّة وقعوا ضحيّة تغرير دعاة الفتن، ومع ما تبذله الدولة ممثلة بعلمائها ودعاتها ومراكز المناصحة بقيادة وزارة الداخليّة إلاّ أنّ قطع رؤوس أتباع الفكر الضالّ علناً وتنفيذ حدود الله فيهم هو الدواء الناجع بإذن الله الذي يصحو به الغافل، ويستقيم به المائل، ولنا في هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام قدوة حين أمر بقتل الخوارج واستئصال شرهم بسيف الشريعة العادل، ومعلوم من التاريخ فتنتهم في عهد الإمام العادل الراشد عليّ -رضي الله عنه- فما انطفأت فتنهم إلاّ حين واجههم بالقوّة وقتل منهم من استحق القتل بزندقته وكفره وضلالاته.
الوقفة الرابعة: قد يوجد من دعاة حقوق الإنسان من يحاول أن يصطاد في الماء العكر، ويدس السمّ في العسل ويقول إن بعض من قُتلوا كانوا ينادون بالإصلاحات و…!؟ وما فعلوه لا يعدو أن يكون حرية تعبير عن رأي..!؟ فنقول هذا ادِّعاء عار عن الحقيقة وتلبيس بالباطل!؟ هل حريّة الرأي بإثارة الفتن وزعزعة الأمن وخلق الفوضى؟ هل استخدام المنابر للتأليب على الحاكم والتحريض على الطائفية وإيقاظ الفتن وتحريك بذور الشرّ حرية رأي؟! هل السبّ والشتم واللعن في الخطب والمقالات والتعرض لأسس الدولة ونهجها وعقيدتها وإشاعة الاضطرابات والاستخفاف برجال الأمن وإثارة الرأي العام حرّية رأي؟ بلادنا ولله الحمد تشجع على العلم النافع والرأي الناصح وكل ما فيه بناء للفكر القويم، فهذه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والصحف الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي فيها حرية للرأي واسعة طالما الهدف تحقيق مصالح الدولة المجتمع ديناً ودنيا، وهذه المنابر الدينيّة والإعلاميّة فيها مساحات واسعة لمن يُسهم في نشر العلوم النافعة والآراء المفيدة للدولة والمجتمع.
بلادنا ولله الحمد ذات منهج متوازن قائم على احترام شريعة الإسلام وتعظيم حق الإنسان من مواطن ومقيم والذين نفذت فيهم العقوبات كانوا أبعد الناس عن صيانة شرع الله وحفظ حقوق عباده فاستحقوا القتل تطهيراً للأرض من شرّهم وحفظاً للمجتمع من خطرهم.
الوقفة الخامسة: مجتمع المملكة مجتمع متماسك متآلف بجميع أطيافه وألوانه، مواطنون ومقيمون، على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وقبائلهم ومدنهم، إذا جاء وقت الشدّة ظهر صدق ولائهم لدينهم وولاة أمرهم ودولتهم، ومن ظنّ أن في تنفيذ هذه العقوبات نفٓساً طائفياً فهو مُصادم للحقيقة قائل بالبهتان مُدع بالباطل، فقد نفذت الأحكام في حق من ثبت بالقضاء العادل استحقاقه للقتل من غير النظر لخلفية معتقده أو مذهبه وإنما حين ثبتت جريمته استحق ما يقابلها من الجزاء العادل، ويجب ألاّ نقحم الطائفية في تنفيذ العقوبات على المجرمين، ومهما وجد بيننا من خلافات عقدية أو مذهبيَّة يجب ألاّ تؤثر على نسيجنا الاجتماعي وعلى ولائنا لوطننا واجتماعنا على ولاة أمرنا هذا ما يقتضيه العقل والمنطق السوي والصالح العام، مع حرصنا التام على أن عقيدة هذه البلاد وفق كتاب الله وسنّة نبيّه عليه الصلاة والسلام وما كان عليه السلف الصالح ولا يمكن إقرار من يُظاهر بالعداوة لها أو التنقيص منها، ولكن لسنا مأمورين بأن نفتش عن صدور الناس ولا ما بينهم وبين ربهم.
الوقفة السادسة: شكراً لقيادتنا الراشدة ولقضائنا العادل ولرجال أمننا الأوفياء، وشكراً لشعب وفيّ كريم أظهرت الأحداث نُبل أخلاقه وطيب معادنه وصدق ولائه، حين تقرأ وتشاهد وتسمع وتُبصر وجوهاً مشرقة وألسنة شاكرة ذاكرة وتآلفاً وتكاتفاً مع الدولة والقيادة، وهذا ولله الحمد دليل على الثقة العظيمة بين الحاكم والشعب التي بنيت على المحبة والتضحية والبذل لمملكتنا الغالية وبلادنا العزيزة مهبط الوحي وقبلة المسلمين وحصن العقيدة، كلنا فداء وطننا وطن الإسلام الخالد، لا مكان بيننا لدعاة الفتنة ومعتنقي الضلالة، ولا لمن يريد تفريق جماعتنا أو تمزيق وحدتنا أو مسّ شبراً من تراب بلادنا، وشعارنا «من حمل علينا السلاح فليس منا»، «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصا الطاعة عليكم فاقتلوه كائناً من كان».
حفظ الله ديننا وبلادنا وولاة أمرنا، وأدام الله علينا نعمة الأمن والاستقرار وهو وحده المستعان وعليه التكلان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٩٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-٠١-٢٠١٦)