بعض الروايات تأسرك وتشد أهداب عينيك وتأخذ بتلابيب عقلك استمتاعا وتذوقا ودهشة، كرواية براري الحمى لإبراهيم نصر الله، والحزام أحمد أو دهمان وصالحة لعبدالعزيز مشري والموت يمر من هنا لعبده خال، وكل رواية لها أحداثها وأبطالها وزمنها ومكانها وأسلوب كاتبها وخيالاته، والقاسم المشترك كونها تلتقي في بيئة قروية فقيرة وتصور أحداثا مرت قبل أكثر من أربعين عاما، رواية “صالحة” تجسد الحياة القروية المنعزلة في سراة الباحة تحكي وضع أرملة ومعاناتها حتى تنفلق القرية بإنشاء طريق ممهد يغير من نمطية الحياة، فيما سردت رواية “الموت يمر من هنا” رحلة شاقة بين مديني جازان وجدة مروراً برمال حارقة وجبال صلدة أما قرية “حزام” فهي منضودة من أحجار وقصائد وأوراق وخطوات تحمل أنفاس وعشق أهلها، تحكي بعض العادات الاجتماعية القديمة في طريقة الختان وما يصاحبها من طقوس توارثها الأبناء عن الأجداد، ووجدت الروايات تقريضاً مستحباً من عدد من المهتمين بالرواية فقد وصف الروائي الأمريكي “مات” رواية “براري الحمى” بأنها واحدة من أهم عشر روايات تكشف النقاب عن عناصر الحياة في أنحاء العالم العربي، وقال: إن الرواية تجعل من الوجودية عمقاً سياسياً مقلقاً للغاية، فيما وصف الشاعر الإنجليزي “جيرمي” بأن رواية نصر الله تدور حول الحدود القصوى، وينبغي أن تُقرأ من أجل رؤياها فهي مثيرة وقلقة كمجرة جديدة في الفضاء الداخلي، وبطل الرواية (محمد حامد) معلم انتقل من جدة إلى القنفذة لتدور وقائع الرواية بين سبت شمران وثريبان نمرة حيث أشعة الشمس مصوبة كبندقية أو كصقر يقلب الأرض بعينيه الحادتين، فيما تنتشر أشجار الدوم وتلتمع الحجارة كالسكاكين لتخترق صدور العصافير وزرقة السماء، وتتوزع العشاش كقبعات يختنق ساكنوها بأسراب الصمت، في وسط هذه البيئة الحارقة يعيش البطل هذياناً من جراء الحمى التي تصيب عظامه، ليصل إلى مرحلة عالية من التأزم الجسدي والنفسي والعاطفي ليبحث عن ذاته بل يطاردها في الفجاج وعتمة الليل ليعيش متأرجحاً على الخط الفاصل بين الغياب المفجع والموت الضيق والعزلة تحاصره بأنيابها لتتركه يهيم في البراري. جمال الرواية تتركز في لغتها الباذخة والأخيلة والتصوير لتكون رواية مكتملة البناء المعماري تتوافق مع قول د. محسن الموسوي رواية تختبر مصير الإنسان، ولمّا كان هذا العمل الروائي المتميز الذي ترجم لعدة لغات حية فإن أهل القنفذة أولى بالاحتفاء بالروائي وتوجيه دعوة له ليشاهد تلك المدينة العصرية التي تتكئ بأحضانها على رصيف البحر وقد لبست ثوب الحسن والجمال والتحضر، تلك المدينة التي تستقبل البحر صباح مساء في كرنفال لحظوي ممتع، ونتيجة عشقها للبحر أن تركوه يتغلغل في جسد المدينة من خلال مد القنوات المائية لتجسير العلاقة الأبدية بين إنسان القنفذة وماء البحر الذي يرخي عباءته عند أقدام المدينة في صورة بديعة تستنطق مكامن الجمال، ولا أدري إن كان المعنيون في هذا التنظيم الثقافي أعضاء اللجنة الثقافية في القنفذة وهم نخبة من المثقفين والأدباء ولا شك أنهم يدركون قيمة هذا العمل الروائي ويمكنهم دعوة إبراهيم نصر الله ليلتقي بإنسان هذه المدن والقرى ويرى بعينيه بهاء المكان وما وصلت إليه تلك القرى المنعزلة ذات يوم لتصبح مدنا صغيرة ترفل في ثوب النماء، وبدعوة هذا الروائي سيكون برنامجاً استثنائياً بمشاركة عدد من الروائيين العرب والنقاد والمثقفين في كرنفال ثقافي يكشف جمال المدينة وبهاء أخلاق أهلها.
سيكون لي بمشيئة الله انعطافة لكشف مواطن الجمال في الروايات الأخرى، التي لا تقل جمالاً ودهشة عن رواية “براري الحمى”.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٩٩) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠١-٢٠١٦)