بدأ التغير ملحوظاً على المجتمع بارتفاع نسبة الرفاه الاقتصادي للمواطن وانخفاض نسبة الوفيات وزيادة عدد المواليد بعد تطور الرعاية الصحية وتوالت هذه السياسة في الصعود من ملك إلى ملك آخر حسب الظروف والمتغيرات الاقتصادية التي حدثت آنذاك

عجلة الزمن تمضي بحسنها وسوئها وتصبح من الذكريات التي يستفيد منها اللاحقون في بناء سياساتهم سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وبالرجوع إلى الوراء قليلاً نقرأ ونشاهد أن العالم قد مر بمراحل اقتصادية قاسية جداً، إما جراء الحروب الكبيرة التي حدثت آنذاك أو أزمات اقتصادية ضربت بأطنابها وأوجعت الناس وخاصة الميسورين منهم، فالاقتصاد له دوراته في الصعود ثم يبدأ في التراجع والهبوط إلى القاع ويتأثر منه كثيراً من لا يحسب لوقوع مثل هذه الأزمات حسابا ولا يستشرف متى حدوثها.
المملكة العربية السعودية ومنذ توحيدها وبداية تأسيسها على يد المؤسس ـ طيب الله ثراه ـ سعى في تنظيم الاقتصاد الوطني، وكان الملك عبدالعزيز يُدرك رغبة المجتمع آنذاك بتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي وكانت هذه الرغبة نابعة منهم من خلال تقديم أرواحهم وأموالهم لتحقيق الهدف المنشود، وكان بداية ذلك توطين البادية وتأسيس الهجر ليجتمعوا بها ويصبحوا فاعلين في المجتمع من خلال أعمال الزراعة وتربية الماشية والنشاطات الأخرى التي سوف يمارسونها في تلك الهجر، وكانت أول هجرة تأسست هجرة الأرطاوية حيث بلغ عدد سكانها في عام 1331هـ ما يقارب الثلاثين ألف نسمة، ومن ثم توالى تأسيس الهجر الأخرى حتى تشكل من ذلك مجتمع فاعل اقتصادياً واجتماعياً، وبعد الانتهاء من مرحلة التوحيد سنة 1351هـ وبداية مرحلة التأسيس والاستقرار بدأ الملك عبدالعزيز في تأسيس الوزارات والمؤسسات المعنية بإدارة الاقتصاد الوطني التي تهدف إلى رفع مستوى الاستقرار والأمن والرفاه للمجتمع، وجاء اكتشاف البترول وبداية تدفقه سنة 1358هـ / 1938م كنقلة نوعية في تاريخ المملكة الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وقد ساعد ذلك في التنمية وتوسع المدن وافتتاح كثير من المدارس والجامعات والمستشفيات وشق الطرق وبناء السدود لحفظ مياه السيول المهدرة، وبدأ التغير ملحوظاً على المجتمع بارتفاع نسبة الرفاه الاقتصادي للمواطن، وانخفاض نسبة الوفيات وزيادة عدد المواليد بعد تطور الرعاية الصحية، وتوالت هذه السياسة في الصعود من ملك إلى ملك آخر حسب الظروف والمتغيرات الاقتصادية التي حدثت آنذاك.
ونحن الآن في متغير اقتصادي بدأ دورته في الهبوط منذ شهور ووضوح الانتهاء من دورة اقتصادية كبرى تسببت في انخفاض أسعار النفط إلى أدنى مستوى له منذ سنوات، وهذا المتغير أثر على البلدان المنتجة للنفط ومن ضمنها المملكة مما تسبب ذلك في اضطرار الحكومة إلى اللجوء لبعض الحلول لتفادي هبوط أسعار النفط ومنها تنويع مصادر الدخل وخفض النفقات بما يتوافق مع استمرار التنمية ورفاهية المواطن، ولأن هذه الإجراءات تتطلب بحث الجوانب السلبية المستقبلية التي قد تحدث جراء الارتفاع في أسعار المحروقات والخدمات الأخرى والبحث عن طرق علاجية لها.
الإنسان عادة في الظروف الاقتصادية يكون تغيره بطيئاً لأنه تعود على حياة معينة، فلذلك يكون التغير صعباً عليه ويحتاج وقتاً حتى يتأقلم على الأوضاع الجديدة، ولذلك قد يرتفع المصروف العائلي على الأغلبية بسبب الضغوطات من داخل الأسرة وخاصة الأبناء بالصرف الدائم لاحتياجاتهم اليومية، وهذا الأمر قد يتطور حتى يصل رب الأسرة إلى عدم القدرة على الادخار ومن ثم يصل الأمر إلى عدم القدرة على تحمل المصاريف اليومية الباهظة مما قد ينتج عنه آثار اقتصادية سلبية على أفراد المجتمع نحن في غنى عنها، مما قد يُسبب ذلك انحراف بعضهم إلى أعمال ليست مشروعة نظير حاجتهم للمال.
التغير من حال إلى حال أقل يكون صعباً لدى كثير من الناس، ولذلك هناك أمور يجب تداركها وتحقيقها حتى نُعوض تدني الوضع الاقتصادي لدى كثير من الناس وخاصة الشباب منهم ومن ذلك: العمل الجاد على توطين وظائف القطاع الخاص ويكون من أعلى الهرم لا من أسفله حيث لدينا عشرات الآلاف من الشباب والشابات قدموا من الخارج وهم مؤهلون لتولي مناصب قيادية في القطاع الخاص، وهذا العمل سوف يخفف من نسبة البطالة بين الجنسين في المملكة.
الأمر الآخر وهو التشديد على عدم الزيادة في الأسعار سواء الاستهلاكية منها أو غيرها بنسب أكثر بكثير من نسبة ارتفاع أسعار المشتقات البترولية، وهذا سيؤدي إلى استقرار اقتصادي واطمئنان المواطن على عدم ارتفاع الأسعار في استهلاكه وحاجته الضرورية، كما أن وضع تسعيرة مناسبة للمساكن المؤجرة بات ضرورياً ويبنى ذلك على دراسة عادلة لنسبة الربح مقابل التكاليف قد تساعد الشباب في خفض التكاليف الشهرية والسنوية، فتح المجال للشباب الراغب في العمل التجاري والحر وتسهيل أمورهم في التأسيس وبعده وسن قوانين جديدة كتحديد ساعات العمل مثلاً، حتى نستطيع صنع ريادة أعمال تنافس الوافد في كثير من الأعمال الحرة التي يسيطر عليها الوافد بدون منافسة من أبنائنا.
ختاماً حدوث الأزمات الاقتصادية يؤثر على المجتمعات تأثيراً كبيراً، ولذلك من البديهي أن ينتبه كل منا إلى إعادة حساباته في مصروفه اليومي واستهلاكه الكبير في بعض الاحتياجات غير الضرورية، وأن يتغير المجتمع في الصرف على المناسبات الاجتماعية الباهظة والتمظهر الاجتماعي غير المبرر، كما أن غرس مفهوم الحد من الصرف الزائد في نفوس أبنائنا بات ضرورياً ليتعلموا التوفير والتقليل من استهلاك الأشياء التي ليسوا بحاجتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٩٩) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠١-٢٠١٦)