راجح ناصر البيشي

راجح ناصر البيشي

يتساهل بعضنا فيما يقولون عن أنفسهم أو غيرهم أو تعليقاً على أحداث تمّر بالناس فيقحمون أنفسهم بين ثنايا تلك الأحداث دون مبرر أو مسّوغ يجيز لهم ذلك، مما قد يؤلبون الناس عليهم دون سابق إنذار ولا اعتذار، بل إن بعضهم كان وما زال يعيش في قصوره العاجية بعيداً عن واقع عامة الناس فرمى بكلمة لم يلق لها بالاً، فألبت الناس عليه حتى أظنه قال: ليتني ما قلتها، وليته اعتذر !! وقد قال الرسول -ص‍لى الله عليه وسلم-: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار … الحديث. وهذا يدل على عظم الكلمة وخطورتها لا سيما إن كانت في غير محلها أو موضعها مما قد تثير الناس وتجرح مشاعرهم وتزيد استهجانهم، وكما جاء في المثل : « رب كلمة تقول لصاحبها دعني » وفي ذلك المثل حكاية نذكرها للعبرة: فقد قيل في فترة سبقت الإسلام، أثناء خروج أحد ملوك حمير، ويقال إنه النعمان بن المنذر، تتبعه حاشيته حتى مروا على تلة مرتفعة من الأرض، فوقف عندها النعمان، وصار يتأمل الطبيعة من حوله، فتقدم منه رجل من خدمه، فقال للنعمان: ترى يا مولاي، لو ذبح أحدهم على سفح تلك التلة إلى أين سيسيل دمه؟ ففكر النعمان لبرهة، ثم قال: والله ما المذبوح إلا أنت، وسنرى إلى أين سيصل دمك، فأمر به فذبحه على رأس التلة، فقال رجل من الحاشية «رب كلمة تقول لصاحبها دعني» فالكلمة التي سأل بها هذا التعيس النعمان بن المنذر لا تستحق هذا الفعل الدموي، ولكن في ذلك الزمان اعتبر ملك حمير سؤال خادمه له تجرؤا على مقامه.
ونحن إن تبصرنا في هذا المثل فيجب ألا نغفل معناه، فيجب ألا يتفوه المرء بما لا يليق، وبما لا يصلح، فلكل مقام مقال، فما يصلح أن يقال هنا لا يصلح أن يقال هناك، وما يصلح أن يقال زمان قد لا يصلح أن يقال في هذا الزمان.
والكلام ليس هو الذي يمكن أن يضر قائله فحسب بل حتى الحركة أو الإشارة فلنحذر مما قد نقوله، ولا نتساهل فيه، وكما قيل: الكلمة كالرصاصة أنت تملكها فإن خرجت منك فقد ملكتك هي ولم تعد أنت تملكها، اللهم احفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة والكذب وقول الزُّور وكل ما يغضبك أو يغضب أحداً من المسلمين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٩٩) صفحة (١٠) بتاريخ (١١-٠١-٢٠١٦)