عفاف حداد

يعيش أطفالنا اليوم في نظري أصعب طفولة ما بين أجهزة التليفزيون، والبلايستيشن، والأجهزة الذكية، والانحصار أغلب ساعات يومهم بين جدران البيوت، وفقدان الحركة في تنقلاتهم التي تعتمد على السيارات في أغلبها إن لم يكن كلها.
وإذا تذكرنا طفولة الأمس وكيف كانت تعتمد على تجمعات الأطفال في (الحارة) للعب ذكوراً وإناثاً حيث كانت الفتيات مع الفتيات يلعبن الغميضة، وقفز الحبل بينما ينشغل الأولاد بلعب الكرة وغيرها. أتذكر كيف كنا نعود للمنزل فقط لتناول الطعام، واستذكار الدروس بسرعة ثم ننطلق إلى بنات الجيران لتنظيم اللعب والركض في شوارع الحارة وأزقتها، وتزداد حلاوة اللعب في العطلة حيث يأخذ أغلب ساعات اليوم من الصباح الباكر وحتى المساء. راودتني كل هذه الذكريات وأنا أتمشى في مهرجان جدة (كنا كدا 3) وأرى تلك الأزقة التي نُقشتْ على جدرانها أجمل ذكريات العمر، وأشرح لأولادي وبناتي كيف كانت تلك الأيام الرائعة، وكيف كنا في الحارة أسرة واحدة فيستغربون لأنهم اليوم لا يستطيعون الخروج للشارع دون مرافقتي أو مرافقة والدهم لاسيما الصغار. أشعر كما يشعر غيري ممن عاشوا تلك الأيام الرائعة بمدى صعوبة طفولة اليوم التي جعلت من أطفالنا أصناماً أمام الشاشات فطمست إبداعهم الحركي والفكري.
صحيح أن مراكز الترفيه والألعاب تملأ جدة وغيرها من المدن؛ لكنها تفتقر لبساطة اللعبة التي كنا نصنعها بأيدينا، وندير قوانينها بفكرنا الطفولي فنضع أسس الربح والخسارة ببراءة، وتتعالى الصرخات والضحكات عند الفوز في اللعبة كما تنهمر العبرات عند الخسارة أما مراكز الألعاب في الأسواق فكل ما يفعله الطفل هو أن يشحن له والده بطاقة اللعب بمبالغ كبيرة لاسيما في الأعياد للحصول على دقائق بسيطة من الضحك والمتعة في اللعبة.
هذه هي الروح المفقودة روح الابتكار الطفولي الجميل أتذكر كيف كنا نعبئ البالونات الصغيرة بالماء ونربطها ثم نركض خلف بعضنا، ونقذفها تجاه المستهدف منا فتصيبه ويتبلل بالماء، وتنطلق ضحكاتنا عالياً حتى يسمعها طفل اليوم الذي تجمدت أوصاله أمام الآيباد منذ ساعتين. أعيدوا للطفولة روحها، احذروا أيها الآباء والأمهات من تلك الأجهزة التي سرقت أجمل سنين الطفولة بركودها وبما تحتويه من الصور والأفلام التي تنافي براءة الطفولة حيث تفاجأ الأم بما لا ينبغي رؤيته في برامج الجهاز أو تلاحظ شدة تعلق طفلها بذلك الجهاز وتقدما في مهارات استخدامه حتى من الطفل الصغير يقابله تأخر شديد في نطق الكلمات والتواصل مع أقرانه والعيش في عالم الألعاب الافتراضية.
لقد تعلم أطفال اليوم من خلال تلك الأجهزة كثيراً مما لا ينبغي تعلمه في هذه السن نتيجة غياب رقابة بعض الآباء عليهم أثناء استخدامها فتشوهت الطفولة بهذا الإهمال، وتأثرت الأخلاق والسلوكيات بما نراه اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي من تجاوزات لفظية وسلوكية لبعض الشباب.
إن روح الابتكار عند الطفل روح وثابة تبدأ جذوتها من المنزل ويتم مع الأسف الشديد إطفاؤها عن طريق قتل حركة الطفل بالجمود اليومي «الساعات الطويلة» دونما أي نشاط عقلي أو مهاري يقدح شرارة الابتكار.
والحل هو تقنين استخدام الطفل لها ومنع الصغار دون الثلاث سنوات منها منعاً باتاً، وتوجيه طاقات الأطفال نحو الحركة والألعاب الحركية والنشاط، وممارسة الرياضة، والمشي، والقراءة وروح الابتكار حتى في ألعابهم في صالة المنزل ويقصد بالابتكار هنا توجيه الطفل نحو كيفية الإتيان بألعاب مفيدة له فكرياً وحركياً مهما كانت بسيطة ومستوحاة أدواتها مما هو موجود حوله فيشعر بلذة اللعب مع إخوته في المنزل أو خارجه بصحبة الأهل عند التنزه لعل وعسى أن يشعروا بجمال لحظة عاشها آباؤهم فيجابهوا بها جمود الأجهزة وسرقتها لطاقة الطفولة وروعتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٠٤) صفحة (١٠) بتاريخ (١٦-٠١-٢٠١٦)