د. محمد صالح العلي

د. محمد صالح العلي

كنت من جيل لا يأبه لقضية الأكل، وهذا خطأ لأن ذلك أوقعني في مرض السكري بسبب عدم وجود نظام للأكل عندنا ، فأراد الألمان أن يفتكوا بي لأنهم استغربوا من إصابتي بمرض السكري فكأنهم يقولون كيف تصاب بهذا المرض وأنت قد بلغت مرحلة الدكتوراة ومادروا أن لاعلاقة بين الدرجة العلمية والوعي الصحي في مجتمعنا ، أي أنه لايوجد وعي صحي ، بينما هم ينشرون ثقافة نظام الأكل منذ المستويات الأولى في مجتمعهم.
نحن جيل لا يأبه لقضية الأكل وقد ذكرت الجانب السلبي لهذا الأمر وسوف أذكر الجانب الايجابي لهذه القضية.
قبل ذلك فوجئت وأنا أقضي يوماً من إجازة الربيع في مدينة الرياض أنّ الجيل الحالي يقيم قضية كبرى للأكل والطعام، فحينما كنا في الرياض أردنا ( أنا وأولادي) أن نتناول طعام العشاء في أحد المطاعم المشهورة، وهنا ظهرت المشكلة، ذهبنا لأول مطعم، فإذا به ازدحام، وقالوا لنا لا بد أن تنتظروا ساعة فأبينا، ثم ذهبنا إلى آخر فإذا به مزدحم ويكاد الناس أن يقتتلوا عليه، ثم مطعم ثالث ورابع وخامس وكأن الناس لايطبخون في بيوتهم، أخيراً بلغ بنا اليأس والجوع مبلغاً عظيماً وهنا حدثت مشكلة بيني وبين أولادي..، وجهة نظري أننا ينبغي لنا أن نأكل في أي مطعم ليس ضرورياً أن نأكل في مطعم مشهور ، والأولاد مصرّون على أن نأكل في مطعم مشهور وممتاز!!!!.
المهم تنازلت أمام إصرارهم فذهبنا إلى مطعم مشهور واضطررنا للاننتظار نصف ساعة حتى يجدوا لنا طاولة وانتظرنا و…. .
ثقافتي التي نشأت عليها تأبى ذلك الفهم، ثقافتي ممزوجة ببعض المقولات، مقولات الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فمن مقولاته «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولابد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ».
يقول الإمام ابن القيم: «مراتب الغذاء ثلاثة: أحدها مرتبة الحاجة، والثانية مرتبة الكفاية، الثالث مرتبة الفضيلة، فأخبر – صلى الله عليه وسلم – أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف، فإن تجاوزها فليأكل بثلث بطنه، وهذا من أنفع ما للبدن وما للقلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا أورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض عليه الكرب والتعب».
وقد اكتشف الطب الحديث أن الجزء العلوي من المعدة هو عبارة عن جيب مملوء بالهواء يقع تحت الحجاب الحاجز، وكلما كان مملوءاً بالهواء كانت حركة الحجاب الحاجز فوقه سهلة وكان التنفس ميسورًا، أما إذا امتلأ هذا الجيب بالطعام والشراب تعرقلت حركة الحجاب الحاجز وكان التنفس صعبًا، كما أن الصلب لا يستقيم تماماً إلا إذا كانت حركة المعدة مستريحة، ولا يتم ذلك إذا أُتخِمت بالطعام.
وقد أسلم طبيب أمريكي، فلما سُئل عن سبب إسلامه قال: أسلمت بسبب حديث واحد، وآية واحدة، قالوا له: ما الحديث؟ قال: قوله – صلى الله عليه وسلم – : (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)، ثم قال معقّباً: هذه أصول الطب، ولو أن الناس نفذوها ما كاد يمرض أحد. ومن طريف ما يُذكر في ذلك أن حوارًا جرى بين طبيب ألماني وصحفي مسلم في أحد مستشفيات ألمانيا، قال الطبيب الألماني للصحفي المسلم: ما سبب تأخر المسلمين عن الحضارة والنهضة؟ فأجابه الصحفي المسلم – بالهوية فقط – : إن سبب تأخر المسلمين هو الإسلام، ‍‍‍‍فأمسكه الطبيب من يده، وذهب به إلى جدار قد عُلقت عليه لوحة، فقال له: اقرأ الكلمات المكتوبة على هذه اللوحة، فإذا فيها الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – : (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه…)، وعند نِهاية الحديث قد كُتب، القائل: محمد بن عبدالله، فقال الطبيب الألماني للصحفي المسلم: أتعرف هذا؟ قال: نعم هذا نبينا، فقال له: نبيكم يقول هذا الكلام العظيم، وأنت تقول: إن سبب تأخركم هو الإسلام!! وختم الألماني الحوار بقوله: للأسف إن جسد محمد عندكم، وتعاليمه عندنا!!وخلاصة ما يذكره الأطباء المتخصصون في ذلك – تصديقا للحديث – أن الإسراف في الطعام هو السبب الحقيقي لمرض السمنة التي تؤدي إلى تصلب الشرايين وأمراض القلب وتشحم الكبد وتكون حصوات المرارة ومرض السكري ودوالي القدمين والجلطة القلبية والروماتزم المفصلي الغضروفي بالركبتين وارتفاع ضغط الداعية التي يعاني منها بعضنا، وقد لجأ كثير من المصحات العالمية في الدول الغربية إلى استعمال الصيام كوسيلة فاعلة في إنقاص وزن المرضى الذين لا تجدي معهم وسيلة أخرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٠٦) صفحة (١٠) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٦)