وفاء حامد فلاتة

هما كوبان.. لكن لكلٍ منهما طعمٌ مختلف، لكلٍ منهما نكهتهُ الخاصة! ليسَ لأني اشتريتهما من مكانينِ مختلفين لكن لأن الزمانَ والمكانَ هما اللذان حولاهما إلى نوعينِ من القهوة. فالأولُ كان كقنبلةٍ ينتظرها الكاتب ليبدأ َ بسنِّ قلمهِ على الورقِ بشراسةِ كاتبٍ متمرس وهوَ يشعرُ بالكلماتِ تُقذفُ إلى عقلهِ وكأنما رُميت بمنجنيقِ لتحطَّ بعنفٍ على ثنايا الورق! هوَ الكوبُ الذي ارتشفتُ هدوءهُ متربعةً على مكتبي محاطةً برزمِ الأوراقِ وجبالِ الكتب التي تنتظرني لأنقضّ عليها وهناكَ في الزاوية يرمقني بنظراتهِ الصارخةِ اعتزاز ؛ كوبُ الكابتشينو! لكنَّ الكوبُ الثاني الذي نَهَلتُهُ في قاعةِ الامتحان تواجهني ورقةُ الاسئلة بحبرها الأسودِ القاتم والأسئلةُ تتراقصُ أمامي بحركاتٍ ساخرة ولسانها متدلٍ ينثرُ لعابهُ هنا وهناك! وعندها فقط قررتُ قبولَ التحدي فإما حرب ضروس شعواءَ لا رحمةَ فيها وإلا فلا فلستُ أنا التي ترفعُ راية الاستسلامِ البيضاءَ هكذا دونَ قتال، فإما الشهادةُ وإما النصر وسأري هذهِ الأسئلةَ قوةَ شكيمتي وسأجعلُ رؤوسَ نصفِ فرسانها تتدحرجُ بين الأقدامِ ليصبحوا فرساناً بلا رؤوس فلم توجد بعد تلكَ الأسئلةُ التي تجرؤ على السخريةِ مني! وهكذا أمسكتُ بحربتي المشرشرة وبدأتُ بالإجابةِ عن الأسئلةِ واحداً تلوَ الآخر لكن بطريقةٍ غير تقليدية ! فكنتُ كلما وجدت «لماذا؟» أُجيبب: لأن هذا ليسَ من شأنك هوَ هكذا لأنهُ هكذا وانتهى. فتُصرعُ الأسئلة أمام هذهِ الإجابة التي لم تضعها في الحسبان. وأعودُ لأجيبَ عن سؤالٍ يقول: ماذا كانَ إحساسُ الشاعر عند كتابتهِ لهذهِ الأبيات؟ فأقولُ ببرودٍ وقعَت على إثرهِ نساءُ الأسئلة مغشيَّاً عليهن: وما أدراني بماذا كان يشعر ! فليذهب إلى الجحيمِ هوَ ومشاعرهُ الزائفة. لم تصدق الأسئلة أن هذا الكابوسَ يحدثُ أمامها فلم تستطع إلا أن وقفت تتأملني أملأ الورقةَ بكثير من هذهِ الإجاباتِ وضحكاتي تتعالى وأخيراً ختمتُ الورقةَ بمقولةٍ جُنت بها الأسئلةُ حتى النخاع: «ألا لا يَجهلنْ أحدٌ عَلينا … فنجهلَ فَوقَ جهلِ الجَاهِلينَا « وهكذا استيقظتُ من حلمِ اليقظةِ هذا وعدتُ لأجيبَ عن الأسئلة بكاملِ احترامي وأدبي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٠٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٠-٠١-٢٠١٦)