في ظهيرة يوم شتوي شاهدت غرم الله الدولي (عم البروفيسور سعيد فالح) ممتطياً حماره الأبيض متجهاً إلى سوق الخميس، ولفت نظري تجهُّم وجهه وأفول ابتسامته وتصويب نظراته تجاه حافرَيْ حماره الأماميين كي لا يعثر فتكون النتيجة تهشُّم عدد من أضلاعه، خصوصاً أنه بلغ من العمر عتياً، وحين اقترب تنحنحت لألفت انتباهه إلا أنه استمر غارقاً في تفكيره دون الاهتمام بمن حوله، ناديته، التفت إليّ غير راغب في قطع حبل تفكيره، وقتها لحظته يزم شفتيه فيما كانت لحيته غير مهذبة وشواربه كثة تشبه إلى حد كبير أشواك طلح مدببة، وقلت ما الذي كدر صفوك؟ وضيّق صدرك، لم يجب وكأنه لم يسمع سؤالاً، ألححت عليه بالسؤال، إذ ليس من المعقول أن يمضي الدولي دون أن ينطق بحكمة يتناقلها الركبان، أجاب بقوله: إعلاميوكم، أردفت: وما شأن إعلاميينا بما يشغل ذهنك ويكدر خاطرك؟ قال بعضهم يعانون من عمى في العمل الإعلامي وفئة بهم عشى صحافي، قلت لم أفهم ماذا تقصد ولربما كنت معتمداً في دراساتي على الحفظ والتلقين وأحتاج -أطال الله عمرك- إلى تفسير وتعليل وتوضيح أكثر، قال: عميان الصحافة لا يرون شيئاً مما حولهم وكأنهم في حالة فصام عما يحدث ويجري، أما العشو (جمع أعشى) فاختلطت عليهم المسائل لذا يعيشون خلطاً عجيباً مما أفقدهم دقة وشفافية العمل الصحفي، أما الفئة الثالثة فهم مُدّعون! فقط يحملون بطاقات تُخوّل لهم ممارسة هذا العمل العظيم الذي لا يجيدونه، فخسروا وسببوا خسارة لمجتمعهم. أثناء الحوار لكز حمارته التي نحصت دون اكتراث صوب السوق، إلا أن ثمة كلمة رماها من حلقه سائلاً هل أجد صديقي رداداً؟ وفي واقع الأمر أن رداداً أعرفه جيداً، فهو شيخ مسن كسا ذقنه شعر أبيض ولا يغادر متكأه الحجري الذي يطل على بيوتات القرية، حاولت ربط العلاقة بين الدولي ورداد فلم أستطع، دفعني الفضول لأتجه نحو منزله الواقع في علو جبلي، وكأنه باختيار هذا المكان يود تحديد اتجاه بوصلة تفكيره نحو سكان قريته، لتفحص حياتهم المعيشية، التي تقوم على البحث المضني عن أقوات أيامهم من إنتاج مزارعهم كحبوب الحنطة والذرة يطحنون ويخبزون ويأكلون أو يجففون الغضاريف ويزببون العنب أو يحلبون أبقارهم ويستخلصون سمنها وألبانها، والذي أستنتجه بحكم قدراتي البسيطة أن رداداً مهموم بشيئين التأمل العميق، وأيضاً الغناء بطرق الجبل، فما أن ترتفع الشمس قليلاً عن هامة الجبل حتى ينشد بطرق الجبل يسيل اللحن من حنجرته كماء وادٍ محشور بين الجبال، وحين يكون رداد في الحالتين التأمل أو الغناء ينبغي عدم قطع حبل تفكيره، وحاولت اقتناص لحظة ماتعة لأطرح عليه أسئلتي التي أرقتني، خصوصاً عن نشوء العلاقة بينهما وما هي دواعيها وكيف بدأت ووو، وفي وقت أدركت أنه سيجيبني رميت سؤالي الذي على إثره لمحني بعينين غائرتين ذكيتين وقد طغى على صفحة وجهه أثر السنين الطويلة فغدا متجعداً كتربة جافة، قلت يا جد رداد هل أعجبك كلام الدولي؟ لمحنى وقال ما شأني في الإعلاميين لا يهمونني أبداً أنا مغموس في شأني الخاص، قلت وددت أن أسمع شيئاً، لمحني بنظرة مزجت بيت الدهشة والاستهجان وكأنه يرفض فضولي غير المستحب، حاولت ألطف الجو بسؤال عن صحته قال: إذا كنت تود أن تعرف شيئاً عن صحتي فألخص لك في كلمات: الستر والعافية والأمن والأمان، قلت كلنا ننشدها، قال: أنتم لا تعرفون دلالاتها، أنتم تلوكون الكلام دون وعي كامل بها، قال: الزمن الذي عشناه ملأ قلوبنا رعباً وعقولنا خوفاً وأجسادنا ضعفاً ونحولاً، الخوف الفقر الجهل وأشياء أخرى ندعو الله ألا يريكم إياها، قلت آمين آمين، أما غرم الله الدولي فهو صديقي قبل مولدك ومولد صديقك الدكتور سعيد فالح الذي يكتب الحقيقة ونصفها ولم يصل لها ولا أظنه يصل إليها، فالحقيقة كالشعاع تراه ولا تستطيع القبض عليه، بعدها نهض واقفاً وحمل عصاه متجهاً إلى منزله وأغلق الباب بعد أن سمح لصديقه بالدخول.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٣) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-٠١-٢٠١٦)