نحن في نعمة -ولله الحمد- يحسدنا عليها القاصي والداني، خاصة في مثل هذه الأيام التي تمر بها أغلب الدول من حولنا بمحن وحروب ومجاعات وفتن، والنعم لا تدوم إلا بالشكر، والشكر ليس بالكلام فقط إنما بالقول والفعل

الهياط مصطلح قديم ذُكر في معاجم اللغة، ففي المعجم الوسيط وضح معنى ذلك وقال: «هايط الرجل» تعني «ضج» أو أثار الضجيج، وهذا ما نحن بصدده مما ظهر علينا في الآونة الأخيرة من ضجيج بسبب هياط بعضهم الذي استهجنه شريحة كبيرة من المجتمع.
ومعنى الهياط من وجهة نظري هو: ما يقوم به بعض الناس بأعمال أو حركات مصطنعة أو كاذبة، ويقال: فلان يهايط أي: يقوم باصطناع مواقف أو حركات ليست فيه ولا تناسبه سواء من ناحية السن أو الشكل، وقد زاد الهياط المبستر الذي زاد غليانه إلى الحد الأعلى في الآونة الأخيرة بقصد إضحاك الآخرين أو البروز عبر وسائل التواصل الاجتماعية المتنوعة وجعل تلك المقاطع تتداول بين الناس بشكل لافت، وقد تفنن كثيرون في إبراز أفكار جديدة حتى لو كانت قاسية على المتلقي المهم أنها تكون جاذبة.
هذا العمل في الحقيقة هو إفرازات التقنية المتقدمة وانتشارها بين الناس خاصة «سناب شات» و«واتسآب»، حيث بدأت تنمو فينا سلوكيات مصطنعة مما جعل كثيرين يستهجنونها ولا يقبلونها، خاصة إذا كانت سلوكيات غير مقبولة، والسؤال: هل هذه السلوكيات نابعة من موروثنا الأصلي؟ أم لا، أو هل هي ظاهرة؟ أم أنها فترة وسوف تغيب نهائياً، نعم بعضها نابع من ذلك الموروث، خاصة الكرم الذي اشتُهر به العرب منذ القدم وقبل الإسلام الذي يُعدُ من صفات العربي التي كان يُذكر بها، إلا أن تلك المواقف التي عملت لا تتطابق مع تلك الصفات، إنما تنقص منها.
نحن في نعمة ولله الحمد يحسدنا عليها القاصي والداني، خاصة في مثل هذه الأيام التي تمر بها أغلب الدول من حولنا بمحن وحروب ومجاعات وفتن، والنعم لا تدوم إلا بالشكر، والشكر ليس بالكلام فقط إنما بالقول والفعل، وذلك بعدم رمي المتبقي من تلك المأكولات في أماكن غير مخصصة لها، كذلك مراعاة الآخرين الذين يعانون من الجوع والبرد بمساعدتهم والدعاء لهم بأن يكشف الله عنهم كربتهم، وقد ظهر أُناس خرقوا قواعد العادات والتقاليد التي تربينا عليها من خلال تصوير مقاطع تدل على الكرم الزائف والمصطنع وتفنن كثيرون في إيجاد أفكار قد تضحك الآخرين أو تجذبهم، ولكن هل هذا صحيح؟ أم لا.
من المقاطع السخيفة التي انتشرت وأثرت كثيراً بعد مقاطع أكياس الهيل، والغسيل بدهن العود وغيره، هو مقطع من مثلَ بنحر ابنه لغسيل يد الضيف، وقيل في هذا الجانب إنه رد على المقاطع التي قبلها واستهزاء بها، إلا أن هذه الفكرة قد تعدت الحدود كثيراً لأن هناك من هم أطفال وضعفاء تفكير فمن الممكن تقليد صاحب المقطع بطريقة أخرى قد تؤدي إلى كارثة لا سمح الله، أضف إلى ذلك المقطع الذي أهدى ابنيه إلى الضيف بأنهما أغلى ما يملك وطلب ثالث الأبناء بأن يرافق إخوانه وحمله معهم كأنه يحملُ بهيمة.
هذا الفن من الهياط لا يكون بهذه الصورة القبيحة التي قد تعكس آثاراً سلبية علينا، خاصة أنها موجودة في جميع وسائط التواصل الاجتماعي، لأن المتلقي خاصة من خارج الوطن سوف تصله صورة غير صحيحة عن مجتمعنا، ويتم رسم صورة غير إيجابية عنا، خاصة صور التبذير التي انتشرت عبر كثير من المقاطع، كذلك ما الهدف من تلك المقاطع هل هو لسبب الشهرة؟ أم ماذا؟ قد يقول بعضهم إن مثل هذه الأعمال نوع من حرية التعبير والرأي، فلماذا الغضب والاستهجان؟
الموضوع يجب أن تكون له حلول من جهات كثيرة، فوزارة الداخلية عليها سن القوانين التي تُجرم مثل هذه المقاطع للحد من انتشارها، ووزارة الثقافة والإعلام عليها دور كبير في نشر الوعي بين أفراد الشباب من خلال الإعلام المرئي والمسموع وغيرهما، ونتمنى مشاهدة برامج خاصة بوسائط التواصل الاجتماعي للدخول في أعماق وأفكار هؤلاء الشباب من خلال مقابلاتهم والتحدث معهم، وتضم تلك البرامج مفكرين واجتماعيين ومشهورين من الرياضة والفن لنشر الوعي بينهم، وسوف تكون تلك البرامج جاذبة لكثير من الشباب، وسوف يتم تداولها بينهم بشكل كبير، كذلك وزارة التعليم عليها جزء كبير في نشر الوعي بين طلابها في التعليم العام وفي الجامعات، لأن ترك أولئك الشباب دون إرشادهم سوف نشاهد مزيداً من المقاطع التي تضايق كثيرين منا.
ختاماً، الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وهذا ما شاهدناه في كثير من المقاطع التي قد تؤثر على أجيالنا وسمعتنا، ولذلك ربما نحن بحاجة إلى بعض الدراسات والمسوحات النفسية والاجتماعية للوقوف على مسببات ودوافع مثل هذه الظواهر وعن تداعياتها على الفرد والمجتمع، مع تقديم جملة معالجات وحلول لهذه المشكلة، خوفاً من أن تتحول إلى جزء من شخصية القدوة للنشء لا قدر الله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٣) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-٠١-٢٠١٦)