عمر عبدالله المشاري

عمر عبدالله المشاري

عند كلِّ إشارة مروريَّة، ترى أولئك المتسولين، نساءً ورجالاً، وفتيات وفتياناً، وأطفالاً ورُضَّعاً، في منظرٍ يكاد الناس يألفونه لكثرته، وتراهم كذلك عند المساجد، وفي بعض الأسواق، وفي بعض محطات الوقود داخل المدن، وبعض محطات الوقود التي على الطرق السريعة خارج المدن، في كثرةٍ ملحوظةٍ في السنوات الأخيرة، حتى وصل الأمر إلى مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، وفي تفننٍ في وسائل التسول، وفي مخادعة للناس، مما يُشكِّل خطورةً على المجتمع والأفراد، وثمة أسئلة تطرح، من الذي يوزعهم عند الإشارات؟! ومن الذي يقدُم بهم إلى المساجد والجوامع؟! ومن الذي يذهب بهم إلى الأسواق ومحطَّات الوقود؟! وأين يسكنون؟! وما هي جنسياتهم؟! وما هي الدوافع التي دفعت بهم إلى التسول؟! وما هو حال الأطفال الذين يستخدمونهم؟! وهل هم يعملون بتنظيمٍ فيما بينهم؟! ومن هو الذي يتولى تنظيمهم؟! وإلى من تصبُّ تلك الأموال التي يجمعونها من تسولهم؟! وهل هم يستحقون المال الذي يُدفع إليهم؟! وأين وسائل الإعلام عن توعية المجتمع بحالهم؟! وأين مكافحة التسول عنهم؟! وهل هي عاجزةٌ عن مكافحتهم؟! وأين وعيُ الناس في التحقق من وضع صدقاتهم في محلها؟! والتأكد بأنفسهم من حال الضعفاء الذين يتصدقون عليهم، هل هم أهل لتلك الصدقة! أم أنَّهم مخادعون؟ يجمعون تلك الأموال؛ لأمور قد تضرُّ أمنياً بالبلد وأهله؟! والسؤال يُوجَّه إلى إدارة مكافحة التسول، ما هو عملها وهي ترى المتسولين ينتشرون بكثرة؟! هل هي المعنيَّة بالقبض عليهم والتحقيق معهم؟! وهل تحتاج إلى تطوير إداريٍّ وتنفيذيٍّ؛ للنهوض بمهامها على الوجه المطلوب؟! وهل يمكن الاستعانة بمواطنين مُحتسبين موزعين في كلِّ حارةٍ من حواري الأحياء، ويمنحون بطاقة عضويِّة محتسب، وتقام لهم دورات تدريبية لمكافحة التسول.
إنَّ انتشار التسول بات أمراً خطيراً في المجتمع، لا يُدرى ما عواقبه، وإلى أيِّ مدى سيبقى وضعه على هذه الحالة؟ ولو نطقت الإشارات المروريَّة والمساجد والأسواق ومحطَّات الوقود، بأعداد المتسولين، لظهر رقمٌ مخيفٌ يهددُّ كيان المجتمع وأمنه. ولمعاجلة ظاهرة التسول الحاليَّة، يجب أن تُستكتب فيها البحوث العلميَّة، وأن يُدرس موضوعها دراسة شرعيَّة وميدانيَّة وفكريَّة وأمنيَّة، فنحن نحتاج إلى الموظف المؤهل؛ ليعمل في الميدان، وفي حاجةٍ إلى الباحث المتخصص في هذا المجال؛ لإعداد البحوث، وإيجاد التوصيات والحلول المقترحة؛ للحدِّ من هذه الظاهرة، وفي حاجةٍ إلى الإعلاميِّ الذي يُلقي الضوء على هذه الظاهرة، ويعطيها حقها من العناية والاهتمام، وبحاجةٍ إلى رجال الأمن من مدنيين وعسكريين؛ للقبض عليهم، والتحقيق معهم، وفي حاجةٍ إلى رجال الأعمال؛ ليساهموا في حلِّ هذه الظاهرة بأموالهم، فيدعمون كل ما من شأنه مكافحة التسول، ويدعمون الأسر السعوديَّة الفقيرة، ببناء وحداتٍ سكنيةٍ لهم، وتخفيض أجور السكن عليهم، إنْ كانوا مستأجرين لها، وقضاء حوائجهم الأخرى، بنظُمٍ تضمن استحقاقهم لها، وتضمن وصولها إليهم عبر الجهات الخيريَّة المصرح لها، وبحاجةٍ إلى وعي المواطن والمقيم؛ بعدم إعطاء ممتهني التسول شيئاً ماديَّاً ولا عينياً، وأنَّ من أراد الصدقة على المستحقين فعليه بالجهات المرخص لها، التي توصلها إلى مستحقيها.
انتشار التسول خطيرٌ على المجتمع والأفراد، إنْ لم يعالج معالجة صحيحة وفي الوقت المناسب، وإلا صار وبالاً وشرَّاً على المجتمع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-٠١-٢٠١٦)