أحمد علي الصرخي

اضطررت في سفرٍ طارئ أن أترك نباتات الزينة أمام باب منزلي دون سقي لمدة أسبوع، ولكنني عندما عدت وجدتها مسقيةً مرويةً، وعلى أحسن حال كما تركتها، وعندما استقصيت الخبر عرفت بأن حارس منزل الجيران كان يتعهدها بالعناية والري، شكرته على صنيعه، وسألته ما حملك على ذلك، وأنت غير مسؤول عنها؟، فرد عليّ بإجابةٍ أكبرتها فيه حيث قال: هذه النباتات هي مخلوقاتٌ حيةٌ ذات أرواح، وخفت أن تموت أمام عيني، وأنا أستطيع الحفاظ على روحها!!! تذكرت هذه القصة وأنا أشاهد صور الـ 47 إرهابياً الذين تم الاقتصاص منهم مؤخراً ، تخيلت الفرق بينهم وهم يزهقون الأرواح التي حرمها الله دون أدنى تردد، وبين حارس الجيران الذي لم يستطع ترك النباتات دون ري احتراماً للروح فيها. كثيراً ما أتساءل كيف غُسلت أدمغة هؤلاء الإرهابيين، وهم يقتلون النفس – التي جعل الله فيها شيئاً من روحه- بكل دمٍ بارد، هذه الروح التي أودعها الله هذا الإنسان، ثم جعله خليفته في أرضه، ليعمرها ويبنيها، وحرّم إزهاق هذه الروح المقدسة دون وجه حق.عرف تاريخنا الانتحاريين المؤدلجين لأول مرة مع طائفة الحشاشين، حيث كانوا مغيبين عن عقولهم بفعل الحشيش والخدع التي نسجها لهم الحسن الصباح صاحب قلعة الموت في إيران أيام الأيوبيين، والإرهابيون الجدد لا يختلفون كثيراً عن سابقيهم في بيع عقولهم للجهل والحقد والوهم. شبابٌ في عمر الزهور، وريعان الصبا، فقدوا الإحساس بكل معاني الحياة، تَرَكُوا الجانب الأهم في الحياة وهو طلب العلم والعمل، وركّزوا على الجانب الأسهل وهو الركون للجهل والاتجاه للهدم، فهم لا يحتاجون إلى كثير عقلٍ أو جهد. الإسلام دين حياة ولم يكن يوماً يقدس الموت (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، حتى عندما يقرر الشرع القصاص فلأن فيه هدفاً أسمى وهو الحياة (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). يقول رسول الرحمة عليه السلام (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، تخيلوا معي عظمة هذا الحديث، رغم هول قيام الساعة، وبداية فناء الكون، إلا أن نبي الرحمة يرشدنا لزرع هذه الفسيلة، ما الهدف يا رسول الله؟ ، متى ستكبر هذه الفسيلة؟ ومن سيستظل بظلها أو سيأكل ثمرها؟، لمن ستعود فائدتها والكون يتجه للفناء؟، هي -لعمري- رسالة للدلالة على قدسية الحياة، وإيجابية المسلم، رسالة للبناء لا الهدم حتى في أحلك الظروف. انتشر أجدادنا الأقدمون من الصحابة والتابعين الكرام في أطراف المعمورة تاركين جزيرتهم الأثيرة بكل ذكرياتهم فيها، تاركين مكة والمدينة بكل عظمتهما وشرفهما، انطلقوا يُعلّمون ويشاركون في بناء حضارة، كانت في وقتها أعظم حضارات الأرض، كان جهادهم جهاد إعمار، ولم يكن يوماً جهاد دمار، لم يُعرف عنهم هدم الآثار، ولا غدر أهل الديانات الأخرى، بل تركوهم يتعبدون في معابدهم وصوامعهم وأديرتهم تحت حمايتهم. الجهاد الحقيقي هو جهاد النفس الضعيفة، وجهاد طلب العلم، وجهاد العمل الجاد، نريد أن نرفع اسم ديننا ووطننا عالياً، نريد أن نكون ممن يضيف لحضارة الإنسانية كما فعل أجدادنا من قبل، لا أن نكون عالةً على الأمم، وأداة هدمٍ فيها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠١-٢٠١٦)