د. محمد التميمي - المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

د. محمد التميمي – المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

يقوم مفهوم الدولة الحديثة على أساس رعاية مصالح الناس من خلال مؤسسات ترعاهم في شتى جوانب حياتهم وما يتعلق بمصالحهم، ومعلوم أن تلك المؤسسات تقوم بواجباتها دون تمييز أو تفريق بين مواطن أو آخر، لكن هذه الصورة تبدو مختلفة بالنسبة لوضع إيران حيث يظهر بشكل واضح وجلي للعيان أن هناك دولة داخل دولة فإيران الثورة قسمت المجتمع الإيراني إلى قسمين، قسم ما يسمى بالبسيج (وهم قوة التعبئة المتطوعون لخدمة الثورة) والقسم الآخر هم بقية الشعب. فمنذ ما يسمى بالثورة الخمينية وهذا البلد يعيش على تسلط وهيمنة الملالي وبخاصة بعد أن تفتق فكر الخميني بفكرة النيابة عن الإمام الغائب وأنتج ما أسماه (ولاية الفقيه) وتسلط بسبب ذلك على رقاب الناس وسامهم أصناف الذل والفقر والحاجة وسلب منهم أموالهم واستباح به دماءهم وأعراضهم خدمة لأغراض الثورة التي لا هم لها سوى التوسع والهيمنة على حساب أي شيء آخر.
مع ما قد يظهر لبعض الناس من مظاهر يزعم فيها أن إيران دولة ديمقراطية حسب ما تروج له آلة الدعاية الخمينية التي تعودت لبس الأقنعة المتعددة ومنها قناع الدين وقناع الديمقراطية ودولة المؤسسات، فإن أهل إيران قبل غيرهم يعرفون بأن الملالي يخفون تحت عباءة الديمقراطية حكماً متسلطاً على رقاب الناس من خلال جملة من الأدوات لعل من أشهرها ما يسمى البسيج الذي هو بمنزلة الحكومة التي تدير إيران بوجه خفي، فقد أعطى الخميني للبسيج عبارات التبجيل والصلاحيات المطلقة حيث يقول: (البسيج مظهر عظمة الشعب والقوة الفاعلة في المجتمع) بل إن الخميني جعل من البسيج قريناً لولاية الفقيه فهو يقول (البسيج وولاية الفقيه، الخصائص البارزة للدعم وقيادة المجتمع الإسلامي) وهو بلا شك يعي ما يقول فقد استطاع من خلال ولاية الفقيه أن يقصي القيادات الدينية الأخرى للشيعة وينهي دورها في داخل إيران وخارجه ليتفرد بذلك بالزعامة والسلطة، ومن خلال البسيج استطاع أن يخضع الشعب والمكون الشيعي في داخل إيران وخارجها، وبذلك أصبحت الأداتان بمنزلة الكماشة التي يمسك بها زمام الأمور. وليكسب الخميني ولاء البسيج أعطى الصلاحية لهذا الجهاز في الجانب الأمني والفكري فهو يقول (البسیج والدفاع المقدس؛ الدفاع الشامل ضد الأعداء سواء كان حضور العدو بدنياً، أو فكرياً) بل وتعدى الأمر إلى إعطائهم الصلاحيات في سائر المجالات العلمية والتقنية والمجتمعية والفكرية والسياسية، فالبسيج بجناحه المدني وجناحه العسكري المتمثل بالحرس الثوري يمتلك كافة الأدوات التي جعلت منه القوة الضاربة عسكرياً وأمنياً واستخباراتياً واقتصادياً داخلياً وخارجياً، والخميني بإنشائه هذا الكيان يستحضر أدوات الديكتاتورية وأساليبها فهو لا يختلف عن الزعامات البلشفية والشيوعية والنازية إلا في بعض الشعارات الدينية التي رفعها في مقابل إن تلك الحركات لم تتخذ من الدين شعاراً لها واختارت بدلاً من ذلك شعارات خاصة بها، ولكن القاسم المشترك هو تجنيد أناس يدينون بالولاء المطلق لمبادئ ثوراتهم ويبذلون من أجلها الغالي والنفيس في طاعة عمياء يصمون فيها آذانهم ويغلقون عقولهم ويعمون أبصارهم إلا من تعاليم قادتهم. فالبسيج يتبعون مباشرة للمرشد الأعلى وهم الحكومة الحقيقية فالمخابرات والأمن كلهم من البسيج بل وليس بيد رئاسة الجمهورية أو البرلمان سلطة على هؤلاء بل إن القضاء يتحكم به هؤلاء بما يجعل القضاء شكليا وصوريا، ويعرف الشعب الإيراني قبل غيره مقدار تغلغل البسيج داخل المجتمع الإيراني بحيث لا تجد دائرة ولا منظمة من المنظمات إلا وبداخلها أتباع للبسيج يراقبون ويرصدون كل شيء لدرجة خلقت الرعب في نفوس الناس حتى إن أحداً لا يتجرأ أن يتكلم بكلام خشية أن يكون الذي بجواره جاسوساً يتجسس عليه يبلغ كل ما يصدر منه إلى البسيج .كما يعلم الشعب الإيراني قدر المزايا والمميزات التي يحصل عليها البسيج من وراء ذلك، كما يدركون حجم القوة التي تعطى لهذا الجهاز الذي له مؤسسة خاصة به تمتلك من الموارد المالية التي لا تخضع لرقابة أو لقيود مالية وتتمتع بصلاحيات مطلقة، لا بل لها مؤسساتها الاقتصادية الخاصة بها داخلياً وخارجياً مما يجعلها خارجة عن سيطرة أي جهاز حكومي، وهي أشبه ما تكون في طريقة إدارتها للأموال بعصابات المافيا إن لم تكن أكثر براعة منها، بل إنها تشارك المافيا في أنواع التجارة المحرمة كالمخدرات مثلاً، وتلك الأمبراطورية المالية مكنت البسيج من إدارة نشاطاتهم الداخلية والخارجية دون تأثر بالوضع الاقتصادي الداخلي لإيران. ومن هنا يجب أن ندرك أن المواجهة مع التوسع الإيراني تكون بداية مع هذه الدولة الخفية التي من نتاج عملها إنشاء المليشيات وزعزعة أوضاع الدول ونشر مبادئ ولاية الفقيه، وأول أولويات المواجهة هو قطع مواردها المالية وتجفيف منابعها ليسهل بذلك القضاء على مشاريعها التوسعية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥١٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠١-٢٠١٦)